فكيف لا يحكم العقل بوجوب دفع المفسدة المظنونة ، مع أنها لا تخلو إما أن يكون ضررا أو مفسدة غير الضرر .
وبعبارة أخرى : إن حكم العقل بوجوب دفع الضرر المظنون من جهة حكمه بوجوب الدفع عن الضرر الواقعي ، غاية الأمر أنه إما طريقي إلى الضرر الواقعي ، وإما استقلالي ، لكن ملاكه حفظ الواقع وعدم الوقوع في الضرر الواقعي ، وعلى كل حال :
الحال كذلك في المفسدة بناء على قاعدة الملازمة .
قلت : لا ملازمة بين الملازمة المذكورة وعدم حكم العقل بوجوب دفع المفسدة المظنونة ، ووجهه يظهر مما أشرنا إليه آنفا ، حيث أنه لما كانت الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد ، فالعقل إذا انكشفت لديه تلك المصلحة مثلا يحكم على طبق الشرع ، بأن هذا الأمر واجب وهكذا الحال بالنسبة إلى المفاسد . ولكن ربما كان الملاك راجعا إلى غير المكلّف ، وهو من المصالح النوعية أو الأمور الدينية أو غيرهما ، فلا حكم للعقل بوجوب دفع المظنون من مثلها من المفاسد أو جلب المظنون منها من المصالح ، فافهم واغتنم .
لا يقال : قد سبق آنفا في جواب عدم وجوب حفظ المصالح النوعية ، أنه غير لازم :
بأن ذلك بالنسبة إلى آحاد المكلفين والمقلدين ، أما بالنسبة إلى الفقيه فإنه لا يجوز الإفتاء للكل بالارتكاب ، لأنه إلقاء الكل في المفسدة .
فإنه يقال : ذلك فيما إذا كانت المصالح والمفاسد النوعية من سنخ واحد كالخبازة والخياطة كلا أو بعضا ، أما المقام ففي بقية الأحكام والتكاليف . ولا يخفى تعدد سنخها بحسب حالات الأشخاص والتكاليف وكونها محلا لابتلاء المكلّف ، فإنه يختلف باختلافات كثيرة ، فافهم .
* * *
عمدة الوسائل في الحاشية على الرسائل — صفحة 151
مساهمون: السيد عبد الله الشيرازى
ص١٥١