ومنها : قوله تعالى - حكاية عن أحوال يحيى عليه السّلام - : وسيّدا وحصورا ونبيّا من الصّالحين .
فإن ظاهره يدل على مدح يحيى عليه السّلام بكونه حصورا ممتنعا عن مباشرة النسوان ، فيمكن أن يرجح في شريعتنا التعفف عن التزويج .
وفيه : أن الآية لا تدل إلا على حسن هذه الصفة لما فيها من المصالح والتخلص عما يترتب عليه ، ولا دليل فيه على رجحان هذه الصفة على صفة أخرى ، أعني : المباشرة لبعض المصالح الأخروية 1 ، فإن مدح زيد بكونه صائم النهار متهجدا لا يدل على رجحان هاتين الصفتين على الإفطار في
شرح
هذا كله بناء على أن ضمير ( به ) يعود إلى حمل البعير ، اما بناء على رجوعه إلى الصواع ، لبيان وجه اهتمام المؤذن بالسرقة ، فتكون الآية أجنبية عن مقام الاستدلال جدا .
( 1 ) لكن ظاهر المدح كون الجهة المقتضية للرجحان فعلية التأثير وغير مزاحمة بما يوجب المرجوحية فعلا ، إما لعدم المزاحم أصلا أو لضعف المزاحم ، ومن الظاهر أنه مخالف لما في شريعتنا كما يظهر من كثرة الحث على التزويج ومدح الطروقة ، فإنه كالصريح في رجحان مباشرة النساء فعلا وعدم صلوح الجهات المذكورة لرفع الرجحان الفعلي . وحينئذ فلا بد من الالتزام بنسخ الحكم الثابت الشريعة السابقة المستفاد من مدح يحيى عليه السّلام .
نعم قد يستفاد من بعض أدلة الحث على التزويج والمباشرة للنساء كونه كذلك في الشرائع السابقة وانه مقتضى سيرة الأنبياء والمرسلين عليهم السّلام .
فان تم تعين حمل مدح يحيى عليه السّلام على مدحه من حيث الرجحان الاقتضائي لا الفعلي ، أو على كونه من مختصاته . وعلى كل حال فالمقام ليس من الموارد المبتنية على أصالة عدم النسخ . فلاحظ .