ورأيت نفسي ارتديت لباس الفضل ، فخفت خشية أن ينزعوا لباس الفضل عنى ويلبسوه لذلك اليهودي ، وينزعوا عنه لباس العدل ويلبسوه لي .
وقال : كنت أرى الحق وقد نظر إلىّ غاضبا طيلة ثلاثين عاما ، فسبحان الله أي خوف ومهابة كانت له وهو في تلك الحال .
يروى : أن أبا حفص اعتزم الحج وكان عاميا ، ولا يعرف العربية ، فلما وصل إلى بغداد قال المريدون لبعضهم البعض : شين عظيم أن يلزم شيخ شيوخ خراسان ترجمان كي يعرف لغتهم ، ثم أرسل الجنيد المريدين لاستقباله ، وعرف الشيخ ما كان يفكر فيه أصحابنا ، فبدأ الحديث بالعربية في الحال إلى حد أن أهل بغداد تعجبوا من فصاحته ، وتجمعت لديه جماعة من الأكابر ، وسألوه عن الفتوة ، فقال أبو حفص : القول لكم فقولوا أنتم ، فقال الجنيد : الفتوة في رأيي إسقاط رؤية نفسك ، وترك نسبة ما تكون قد فعلته لنفسك ، فقال أبو حفص : ما أحسن ما قلت . ولكن الفتوة عندي أداء الانصاف وترك مطالبة الإنصاف . فقال الجنيد : اعملوا يا أصحابنا ، قال أبو حفص : لا يستقيم هذا بالقول ، عندما سمع الجنيد هذا قال : قوموا يا أصحابنا ، فقد زاد أبو حفص على آدم ، وذريته 593 في الفتوة أي أنه حصر أولاد آدم في الفتوة إن كانت الفتوة هي ما يقوله .
وكانت لأبى حفص هيبة شديدة وإجلال عظيم لدى أصحابه ، ولم يكن مريد قط يجرؤ أن يجلس أمامه أو يلقى نظرة على وجهه ، وكان الجميع يقفون أمامه ولا يجلسون دون أمره وكان أبو حفص يجلس كالسلطان . قال الجنيد :
علمت الأصحاب أدب السلاطين ، فقال أبو حفص : إنك لا ترى أكثر من عنوان الرسالة لكن يمكنك الاستدلال منه على ما فيها . ثم قال أبو حفص : مرهم بإعداد قدر من الحساء وحلوى ، فأشار الجنيد إلى مريد ليعده ، ولما أحضره قال
تذكرة الأولياء — صفحة 607
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٦٠٧