وكما يروى : أنهم كانوا يستمعون إلى الأحاديث بجواره ، فقالوا له : لما ذا لا تأتى كي تستمع إلى الأحاديث ، قال : أردت أن أوفى حديثا واحدا حقه طيلة ثلاثين عاما فلم أستطع ، فكيف استمع إلى حديث آخر ؟ قالوا : وأي حديث ذلك ؟ قال : يقول الرسول ( صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ) « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » .
يروى : أن أبا حفص قد ذهب مع أصحابه إلى الصحراء ، وتحدث إليهم فطاب وقتهم فجاء غزال من الجبل ، ووضع رأسه على طرف أبى حفص ، فكان أبو حفص يلطم وجهه ويصيح ، فمضى الغزال ، وعاد الشيخ إلى حاله .
سأله الأصحاب : ما هذا ؟ قال : لما طاب وقتنا جال بخاطرى : أن ليت كانت لدى شاة فكنت أشويها ، ولما كان الأصحاب لم يتفرقوا بعد هذه الليلة ، ولما جال بخاطرى هذا جاء غزال ، فقال المريدون : يا شيخ أي معنى للصياح واللطم من شخص حاله مع الحق هكذا ؟ قال : ألا تعلمون أن نيل المراد هو الحرمان منه فإن كان الله ( تعالى ) يريد بفرعون خيرا لما جعل النيل يسرى وفقا لمراده .
يروى : أن أبا حفص كلما كان يغضب كان يتكلم في حسن الخلق ، حتى يسكن غضبه عندئذ ينصرف إلى حديث آخر 588 .
يروى : أن أبا حفص كان يمضى يوما ، فرأى رجلا حائرا باكيا ، فقال : ما حدث لك ؟ قال : لقد فقدت حمارا أملكه ، ولم أملك غيره ، فتوقف الشيخ وقال :
بعزته ، لا أخطو خطوة ما لم يعد الحمار إليه ، فظهر في الحال .
يقول أبو عثمان الحيري : كنت أمضى يوما إلى أبى حفص ، فرأيت أمامه بضع حبات من الزبيب ، فأخذت زبيبة ووضعتها في فمي ، فأمسك بحلقى ، وقال : أيها الخائن ، لما أكلت زبيبتى وبأي سبب ؟ فقلت : إنني أعرف قلبك وأثق فيك ، وعلمت أيضا أن كل ما تملكه تؤثره ، فقال : إنني لا أثق بقلبي أيها
تذكرة الأولياء — صفحة 605
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٦٠٥