منك في الوجود ، وإلا فإنني على يقين أن المراد كان سيتحقق . قال أبو حفص :
إنني لم أفعل شيئا إلا أنى كنت قادما في الطريق ، فأبعدت حجرا بقدمى حتى لا يتعثر فيه شخص ، فقال له اليهودي : لا تغضب إلا له الذي عصيته أربعين يوما ولم يضع هذا المقدار من تعبك بكرمه ، فاضطرمت نار في قلب أبى حفص وقويت إلى حد أنه تاب على يد اليهودي 585 .
وكان يعمل بالحدادة ويخفى حقيقته وكان يكسب كل يوم دينارا ، ويعطيه للفقراء ليلا أو يلقى به في جعبة الأرامل ، ولم يكن يعرفن ، وكان يؤدى صلاة العشاء متسولا ، ويفطر بما يحصل عليه . وكان يلتقط بقايا الكراث من الحوض الذي يغسل فيه ، وكان يعد خبزا لطعامه ، وظل يمضى فترة على هذا النحو .
كان هناك رجل كفيف يمر بالسوق يوما ، وكان يقرأ هذه الآية « أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ »
586 .
فانشغل قلبه بهذه الآية وحل به شئ فغاب عن نفسه ، وأدخل يده في النار بدلا من الملقط ، وأخرج حديدة محماة وضعها على السندان ، فضربها الصبيان بالمطرقة ثم نظروا فرأوا الحديدة في يده ، وكان يتلقفها فقالوا : ما هذا الحال يا أستاذ ؟ فصاح عليهم : اضربوا ، قالوا : وأين نطرق يا أستاذ طالما أن الحديدة قد صارت نظيفة ، ولما عاد إلى صحوه ، ورأى الحديدة المحماة في يده ، وسمع هذا الكلام : أين نطرق طالما أن الحديد قد صار نظيفا ، صاح صيحة وألقى بالحديدة من يده ، وترك المكان للسلب والنهب 587 .
وقال : أردنا مرات عديدة بالتكلف أن نترك هذا العمل فلم نفعل حتى هاجمنا هذا الحديث وسلبنا أنفسنا ، وعلى الرغم من أنني كنت أتوقف عن العمل حتى يرجع عنى فلا جدوى . ثم اتجه إلى الرياضة الشاقة ، وسلك مسلك العزلة والمراقبة .