مجلسه . دخل ذات يوم ليعظ في المجلس فلم ير أحدا ، أراد أن يعود ، فنادته عجوز ( قائلة ) : ألم تكن قد تعاهدت مع ذي النون على أن تنصح من لا تراه من الخلق ؟ وأن تتحدث من أجل الله ؟ عندما سمع هذا ، اندهش ، وبدأ الكلام غير مهتم بأن يكون هناك أحد أم لا ، وقضى خمسين عاما على هذا الحال .
وأصبح إبراهيم الخواص مريدا له ، وقوى شأنه ، ووصل أمره ببركة صحبته إلى حد أنه كان يقطع البادية بلا زاد أو راحلة . وقال إبراهيم : سمعت نداء ذات ليلة ( فحواه ) : اذهب وقل ليوسف بن الحسين إنك من المطرودين ، فقال إبراهيم : شق علىّ هذا الكلام بحيث إن ضربت بجبل على رأسي لكان أيسر على من أن أبلغه هذا الكلام ، وفي الليلة التالية سمعت بتهديد أكبر : قل له إنك من المطرودين ، فنهضت واغتسلت واستغفرت وجلست أفكر ، وفي الليلة الثالثة سمعت نفس النداء : قل له إنك من المطرودين ، وإن لم تقل له تصاب بآلام تقعدك ، فنهضت ، ودخلت المسجد في حزن عميق ، فرأيته جالسا في المحراب ، ولما رآني قال : أتذكر أي بيت ؟ قلت : بلى تذكرت بيتا عربيا قلته فسربه ونهض ووقف طويلا على قدميه ، وسال الدمع من عينيه كما لو أنه كان قد اختلط بالدم . ثم التفت إلىّ وقال : كانوا يقرءون أمامى منذ الصباح وحتى الآن فلم تسقط من عيني قطرة ماء ، واعترتنى هذه الحالة بهذا البيت الذي قلته ، فسال طوفان من عينىّ صدق الناس إنه زنديق ، وصدق الخطاب الصادر من الحضرة : إنه من المطرودين ، فشخص يتأثر ببيت هكذا ولا يتأثر بالقرآن ، هو مطرود ! قال إبراهيم : عجبت لأمره ، وضعف اعتقادي فيه فخفت ونهضت واتجهت إلى الصحراء ، وتصادف أن التقيت بالخضر فقال لي : يوسف بن الحسين جريح الحق ، ولكن مقامه أعلى العليين فينبغي الخطو خطوات كثيرة في سبيل الحق حتى إذا وضعوا يد الرفض على جبينك يظل مقامك أعلى العليين ، لأن كل من يتخلف في هذا الطريق يتخلف عن الملك لا عن الوزارة .
تذكرة الأولياء — صفحة 598
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٥٩٨