الإيثار وإلا فكيف يريد أن يفضله على نفسه ؟ أقول : « نحن نحكم بالظاهر » فإننا نستطيع أن نحكم بالظاهر على تقطيب الوجه ، لكننا لا نستطيع الحكم على الإيثار وهل هو نابع من الصدق أم لا ؟ ومن الإخلاص أم لا فلا جرم أنه فعل ما استطاع في الظاهر .
يروى : أن السرى رأى يعقوب ( عليه السلام ) في المنام ذات مرة ، فقال : ما هذه الفتنة التي ألقيت بها في الدنيا من أجل يوسف يا نبي الله ؟ وطالما أن لك شأنا في الحضرة ، فاترك حديث يوسف ، فجاءه هاتف : أيها السرى ، احفظ قلبك ، وأظهروا له يوسف ، فصاح صحيحة ، وغشى عليه ، وكان قد ظل ثلاثة عشر يوما بلياليها فاقدا الوعي ، ولما ثاب إلى رشده قيل هذا جزاء من يلم عشاق حضرتنا .
يروى : أن شخصا أحضر طعاما للسرى وقال : منذ كم يوم لم تأكل ؟ فقال :
منذ خمسة أيام ، فقال : قد كان جوعك جوع بخل ولم يكن جوع فقر .
يروى : أن السرى أراد أن يرى أحد الأولياء ، فتصادف أن رأى أحدهم على قلة جبل ، فلما وصل إليه قال : السلام عليك ، من أنت ؟ فقال : هو ، قال : وما تفعل ؟ قال : هو ، قال : وما تأكل ؟ قال : هو ، قلت : أتقصد الله بقولك هو ؟ سمع هذا الكلام فصاح صيحة ، وأسلم الروح .
يروى : أن الجنيد قال : سألني السرى عن المحبة يوما ، فقلت : قال قوم : هي الموافقة ، وقوم آخرون : هي الإشارة ، وقال : أشياء أخرى . فأخذ السرى جلدة يده ، وجذبها فلم تنجذب ، ثم قال : وعزته إن قلت أن هذه الجلدة يبست بسبب محبته لصدقت ، وغشى عليه ، وصار وجهه كأنه قمر 447 .
يروى : أن السرى قال : يصل العبد في المحبة إلى حد أنه إن ضربته بسهم أو بسيف فإنه لا يدرى ، وعلم قلبي بهذا حتى اتضح أن الأمر هكذا .
تذكرة الأولياء — صفحة 541
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٥٤١