يروى : أن السرى لم يكن يطلب في البيع والشراء سوى نصف على كل عشرة ، وذات مرة اشترى جوزا بستين دينارا ، وحدث أن ارتفع ثمن الجوز ، فأتاه دلال وقال له : بعه لي قال : بكم ؟ ، قال : بثلاثة وستين دينارا ، قال الدلال :
ثمن اللوز اليوم تسعين دينارا ، فقال : إنّي قد عقدت العزم ألا آخذ أكثر من نصف دينار على كل عشرة دنانير ، ولن أنقض عزمي ، فقال الدلال : وأنا أيضا لا أجيز أن أبيع بضاعتك بالقليل ، فلم يبع الدلال ، ولم يجز السرى 438 .
في بادئ الأمر كان يسب البيع ، وحدث أن احترق سوق بغداد ذات يوم ، فقيل له : احترق السوق ، فقال : وأنا فرغت أيضا ، نظروا بعد ذلك فلم يكن حانوته قد احترق ولما رأى ذلك ، وهب الفقراء كل ما يملك ، وسلك طريق التصوف 439 .
سئل : كيف كانت بداية حالك ؟ فقال : مر حبيب الراعي بدكانى ذات يوم ، فأعطيته شيئا يمنحه للفقراء فقال : « خيّرك الله » ومنذ ذلك اليوم الذي قال فيه هذا الدعاء فترت الدنيا على قلبي 440 .
وذات يوم آخر كان معروف الكرخي يأتي إليه وبرفقته صبي يتيم ، وقال : اكس هذا اليتم ، قال سرى : فكسوته ، فقال معروف : بغّض الله ( تعالى ) إليك الدنيا ، وأراحك من هذا الشغل ، ففرغت من الدنيا مرة واحدة ببركات دعاء معروف 441 .
ولم يبالغ شخص في رياضته مثله إلى حد أن الجنيد قال : لم أر شخصا قط أكمل عبادة من السرى مرت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤى خلالها مضطجعا إلا في علّة الموت 442 .
وقال : تشتهى نفسي جزرة مغموسة في الدبس منذ أربعين عاما ولم أذقها إياها 443 .
تذكرة الأولياء — صفحة 538
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٥٣٨