ثم أريد أن أعتزل الخلق ، وأترك الدنيا ، فارشدنى إلى طريق السالكين ، فقال :
أتريد سبيل الطريقة أم الشريعة ؟ أتريد طريق العامة أم الخاصة ؟ فقال : ارشدنى إلى الطريقين ، فقال : سبيل العامة هو : أن تحافظ على الصلوات الخمس وتخرج الزكاة إن كانت عن المال فنصف دينار لكل عشرين دينارا وسبيل الخاصة هو :
أن تطئ الدنيا كلها بقدمك ، ولا تنشغل بشئ قط من زينتها ، وإن أعطيت فلا تقبل ، وأنت تعرف هذين الطريقين .
ثم خرج من هناك ، واتجه إلى الصحراء ، ولما انقضت عدة أيام ، جاءته عجوز شعثاء مخدوشة الوجه وقالت : يا إمام المسلمين ، لدى ولد شاب نضر الوجه ، جاء إلى مجلسك ضاحكا مختالا ، وعاد باكيا متهالكا ، الآن قد غاب عدة أيام ولا أعلم أين هو ؟ احترق قلبي لفراقه ، فدبرنى في هذا الأمر ، فأشفق السرى عليها من كثرة نحيبها ، وقال لا تتضايقى ، فلن يحدث إلا خيرا ، وعندما يعود ، سأخبرك ، إنه قد ترك الدنيا فبقيت لأهلها ، وقد أصبح تائبا حقيقيا . ولما انقضت مدة ، جاء أحمد ذات ليلة ، فقال السرى للخادم : اذهب ، وأخبر العجوز ، ثم رأى السرى أحمد وقد ذبل وجهه وأصابه الهزال ، وانحنى قده ، فقال : أراحك الله أيها الأستاذ المشفق كما أرحتنى من الظلمات ، ووهبك الراحة في العالمين ، وبينما كانوا في هذا الحديث جاءت أم أحمد وعياله ، وكان له صبي صغير أحضروه ، فلما وقعت عين الأم على أحمد ، ورأته على تلك الحال ، التي لم تكن قد رأتها من قبل ، ألقت بنفسها في حضنه ، وأخذ عياله يبكون في ناحية ، وكان الصبى يبكى ، وارتفع الصياح منهم جميعا ، فبكى السرى ، وألقى طفله بنفسه على قدميه ، ومهما حاولوا أن يحملوه إلى الدار فبدون جدوى ، وقال : يا إمام المسلمين ، لما ذا أخبرتهم ؟ إنهم سيضروننى ؟ فقال : كانت أمك قد انتحبت كثيرا ، وقد قبلت منها ، ثم أراد أحمد أن يعود ، فقالت له زوجه : جعلتني أرملة
تذكرة الأولياء — صفحة 543
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٥٤٣