كما يروى : أن أمه رأته ذات يوم وقد جلس في الشمس ، يتصبب منه العرق ، فقالت : يا عزيزي ، القيظ شديد ، وأنت صائم الدهر ، فما ذا لو جلست في الظل ؟ قال : يا أمي أخجل من اللّه أن أخطو خطوة موافقة لنفسي وإرضاء لها ، ولا أجيز هذا ، قالت الأم : أي قول هذا ؟ قال : يا أمي ، عندما رأيت أحوالا وأمورا سيئة في بغداد ، دعوت ، فسلبنى الحق ( تعالى ) اللياقة لأكون معذورا ، ولا أذهب لصلاة الجماعة ، لأنه لا ينبغي لي رؤيتهم ، الآن لا أملك اللياقة منذ ستة عشر عاما ، ولم أقل لك .
يروى : أن داود كان دائم الحزن ، وعندما كان يحل الليل كان يقول : إلهي ، فاق حزنى كل الأحزان ، وسلبتنى النوم ، وكان يقول : متى ينجلى الحزن عمن تتوالى عليه المصائب .
ومرة أخرى قال فقير : ذهبت إلى داود ، فوجدته ضاحكا ، فتعجبت وقلت : يا أبا سليمان ، لما سعادتك هذه ؟ قال : منحونى شرابا في السحر يقال له : شراب الأنس فجعلت اليوم عيدا ، وسررت .
يروى : أن داود كان يأكل خبزا ، فمر عليه راهب ، أعطاه قطعة ليأكلها ، وفي تلك الليلة التقى ذلك الراهب بزوجه ، وولد معروف الكرخي .
يقول أبو ربيع الواسطي 319 : قلت لداود : عظني ، فقال : « صم عن الدنيا وأفطر في الآخرة » وفر من الناس كما يفرون من الأسد المفترس . 320
وطلب آخر عظة ، فقال له : احفظ لسانك ، قال : زدني ، قال : اعتزل الخلق ، وان تستطيع أفرغ القلب منهم ، قال : زدني ، قال : يجب أن ترضى بسلامة الدين من هذه الدنيا ، كما رضى أهل الدنيا بسلامة الدنيا . 321
وأراد آخر عظة ، فقال له : الجهد الذي تبذله في الدنيا ابذله بالقدر الذي سيكون لك به مقاما في الدنيا وبما سيفيدك فيها ، والجهد الذي تبذله للآخرة
تذكرة الأولياء — صفحة 464
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤٦٤