محمد ، ويتناقش معه ، ولم يكن يتحدث إلى أبى يوسف ، وإن كان القول قول محمد ، كان يقول : القول ما يقوله محمد وإن كان القول قول أبى يوسف ، كان يقول : هذا هو القول ، ولم يكن يذكر اسمه ، فقالوا له : كلاهما عظيم في العلم ، فلما ذا تفضل أحدهما ، وتقصى عنك الآخر ، قال : لأن محمدا بن الحسن نشأ في نعمة وفيرة ورفعة من الدنيا وأقبل على العلم ، والعلم سبب عزة دينه وذل دنياه ، وأقبل أبو يوسف على العلم من الذل والفاقة ، فصار العلم سبب عزه وجاهه .
ومن ثم فمحمد ليس مثله قط . ضرب أستاذنا أبو حنيفة بالمقرعة ولم يقبل القضاء 326 ، وقبله أبو يوسف ، وكل من يخالف طريق أستاذه لا أتحدث معه .
يروى : أن هارون الرشيد قال لأبى يوسف : احملنى إلى داود ، كي أزوره ، فدخل أبو يوسف الدار ، ولم يسمح له فطلب من أمه ، فشفعت له ( قائلة ) : إئذن له فلم يقبل ، وقال : ما شأننا بأهل الدنيا والظالمين ؟ فقالت له أمه : بحق لبنى إئذن له فقال داود : يا إلهي ، أمرت برعاية حق الأم فقلت : رضائي من رضائها ، وإلا فأي شأن لي بهما ؟ وأذن ، فدخلا ، وجلسا ، وبدأ داود الوعظ ، فبكى هارون كثيرا عندما عاد ( إلى رشده ) وضع قدرا من الذهب ، وقال : إنه حلال فقال داود : احمله ، فلا حاجة لي به ، فقد بعت دارى من ميراث حلال ، وأنفق منه ، ورجوت الحق ( تعالى ) أن يزهق روحي عندما تنتهى تلك النفقة ، كي لا أحتاج إلى شخص ، وآمل أن يستجاب الدعاء .
ثم عاد الاثنان ، وسأل أبو يوسف وكيل نفقاته : كم بقي من نفقات داود ؟
قال : درهمان وكل يوم كان ينفق دانج فضة ، وفي اليوم الأخير كان أبو يوسف قد أدار ظهره للمحراب وقال : لقد توفى داود اليوم ، نظروا ، فكان الأمر كذلك ، فقالوا : بما عرفت ؟ قال : حسبت نفقاته فلم يبق منها اليوم شئ قط ، فعلمت أن دعاءه مستجاب .
تذكرة الأولياء — صفحة 466
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤٦٦