مدة ، ذهب إليه الإمام أبو حنيفة ، وقال : لا يكون الأمر هكذا أن تعتكف في المنزل ، ولا تتحدث ، لكن أن تجلس بين الأئمة ، وتسمع كلامهم الغامض ، وتتمعنه ، ولا تتحدث قط ، وعندئذ تفضلهم في معرفة تلك المسائل ، فأدرك داود ما يقوله .
وذات عام قدم إلى الدرس ، وجلس بين الأئمة ، ولم يقل شيئا ، وكان يتمعن كل ما يقولونه ، ولم يكن يجيب ، وكان يكتفى بالاستماع ، ولما انقضى عام قال :
إن صبر عام يعدل عمل ثلاثين عاما عملت فيها .
ثم التقى بحبيب الراعي ، وكان إقباله على هذا الطريق بسببه ، وخطا في هذا الطريق برجولة ، وألقى بكتبه في الماء ، واعتزل ، وقطع أمله عن الخلف .
يروى : أن داود كان قد ورث عشرين دينارا ، كان ينفقها في عشرين عاما 316 ، حتى قال بعض المشايخ : إن طريقته الإيثار لا الاحتفاظ ، فقال :
إنني أملك هذا القدر من النقود لأنه سبب فراغى ، انفق منه حتى أموت . ولم يهدأ عن العمل قط إلى حد أنه كان يبل الخبز بالماء ويقتات به ، وكان يقول :
إنه يستطيع قراءة خمسين آية من القرآن بين بلة وأكله ، فلما ذا أضيع الوقت ؟
يقول أبو بكر العياش : ذهبت إلى حجرة داود ، فرأيته وقد أمسك بقطعة خبز يابسة في يده ، وكان يبكى ، فقلت : ما جرى لك يا داود ؟ قال : أريد أن آكل قطعة الخبز هذه ، ولا أعرف أهي حلال أم حرام ؟
وقال آخر : ذهبت إليه ، فرأيت قدح ماء ، وضع في الشمس ، فقلت : لما ذا لا تضعه في الظل ، قال : عندما وضعته هناك ، كان الظل ، الآن أخجل من اللّه أن أتنعم من أجل نفسي .
يروى : أن دارا عظيمة كانت لداود ، وبها حجرات كثيرة وكان يقيم في حجرة حتى كانت تتهدم فكان ينتقل إلى حجرة أخرى ، قالوا لما ذا لا تعمر
تذكرة الأولياء — صفحة 462
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤٦٢