يروى : أن أبا حنيفة كان يمضى ذات يوم ، فرأى طفلا كان قد وقع في الوحل فقال له : انتبه كي لا تقع ، فقال الطفل : إن وقوعى سهل فإن وقعت وقعت بمفردى ، لكن احذر أنت فلو زلفت قدمك ، زلف كل المسلمين الذين يتبعونك ، ويصعب نهوضهم فتعجب الإمام من حذاقة هذا الطفل ، وبكى في الحال ، وقال لأصحابه : احذروا . إن ظهر لكم شئ في مسألة ، كان الدليل فيها أكثر وضوحا أن تتبعوني في ذلك . وهذا دليل كمال الانصاف . ولا جرم أن أبا يوسف ومحمد 282 ( رحمهما اللّه ) لهما أقوال كثيرة في مسائل مختلفة ، ومع هذا قالوا : هكذا استقام سهم اجتهاده على هدف الجنان بحيث لم يمل ، وكان اجتهاد الآخرين غبارا حول الهدف .
يروى : أن رجلا كان موسرا ، وكان يكره أمير المؤمنين عثمان ( رضى اللّه عنه ) إلى حد أنه كان يسميه ( اليهودي ) . وصل هذا الكلام إلى أبي حنيفة ، فدعاه وقال : سأزوج ابنتك إلى فلان اليهودي ، فقال : أنت إمام المسلمين ، أتجيز أن تزوج ابنة مسلم ليهودي ! وأنا لن أزوجها له قط . فقال أبو حنيفة : سبحان اللّه ، لأنك لا تجيز زواج ابنتك ليهودي فكيف يجوز أن يزوج محمد ( رسول اللّه ) ابنتيه ليهودي ، علم ذلك الرجل في الحال فحوى الكلام ، ورجع عن اعتقاده ، وتاب ببركات الإمام أبي حنيفة .
يروى : أن أبا حنيفة كان ذات يوم في حمام ، فرأى واحدا دون إزار ، قال البعض : إنه فاسق ، وقال البعض : إنه دهري ، فاغمض أبو حنيفة عينيه ، قال ذلك الرجل : أيها الإمام ، متى سلبت نور العين ؟ قال : حين رفعوا الستر عنك .
وقال : عندما تناظر قدريا قل له قولين : إما أن يكفر أو يرتد عن مذهبه ، لأن اللّه أراد أن يستقيم علمه فيهما ، ويتساوى معلومه مع علمه . إن قال لا كان كافرا ، لأنه عندما يقول : لم يرد أن يستقيم علمه ويتساوى العلم بالمعلوم ، يكون هذا كفرا ، وإن قال : أراد فقد سلم وضاق بمذهبه .
تذكرة الأولياء — صفحة 442
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤٤٢