تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
التجريد . لا أتحدث عن نفسي ، فأكون المحدث أو أتحدث إلى نفسي فأكون أنا المذكر ، فهو يحرك اللسان بما يريد وأنا الترجمان ، متحدث بحقيقته هو لا أنا . الآن ، عندما جعلني عظيما قال لي : يريد الخلق أن يروك ، فقلت : وأنا لا أريد أن أراهم إن أحببت أن تظهرنى لهم ، لا أخالفك زيني بوحدانيتك ، فعند ما يراني الخلق ، يتأملون صنعك ، ويرون الصانع ، و ( أنعدم ) أنا . فحقق لي هذا المراد ، ووضع تاج الكرامة على رأسي ، جعلني أتجاوز مقام البشرية . ثم قال : تعال أمام خلقي ، فخطوت بقدم من الحضرة ، ووقعت بالثانية ، وسمعت نداء هاتوا حبيبنا ، فإنه لا يستطيع الوجود بدونى ، ولا يعرف الطريق إلا بي . وقال : عندما أدركت الوحدانية ، وكانت تلك أول لحظة نظرت فيها إلى التوحيد ، أسرعت في ذلك الوادي أعواما بقدم الإفهام ، حتى صرت طائرا ، عيناه من الوحدة وجناحاه من الديمومة ، وكنت أحلق في هواء الكيفية ولما غبت عن المخلوقات ، قلت : وصلت إلى الخالق ، ثم طللت برأسى من وادى الربوبية ، وتجرعت كأسا لا أرتوى إلى الأبد عطشا إليه ، ثم حلقت ثلاثين ألف عام في فضاء وحدانيته ، ، وحلقت ثلاثين ألف أخرى في الألوهية ، وثلاثين ألف أخرى في الفردانية ، ولما انقضت تسعون ألف عام ، رأيت أبا يزيد ، وكل شئ رأيته كان أنا ، ثم قطعت أربع آلاف بادية ، ووصلت في النهاية ولما نظرت ، رأيت نفسي في أول درجة للأنبياء ، وطويت مسافة في ذلك اللامتناهى ، وقلت : لم يصل شخص إلى أعلى من هذه الدرجة والأسمى من هذا المقام غير ممكن ولما أمعنت النظر ، رأيت رأسي على قدم أحد الأنبياء ، فعلمت أن نهاية حال الأولياء هي بداية أحوال الأنبياء ، ولا غاية لنهاية الأنبياء . ثم مرت روحي على جملة الملكوت ، وبدت لها الجنة والنار ، فلم تلتفت إليهما قط وكل شئ اعتراها ، لم تطقه ، ولم تصل إلى روح نبي قط إلا