تاج الكرامة على مفرقي ، وقال لي : إنك تقول الحق ، وتبحث عن الحقيقة ، لأنك رأيت الحق وسمعته . فقلت : إن رأيت رأيت بك ، وإن سمعت سمعت بك ، فقد سمعت أنت أولا ثم أنا ، وأثنيت عليه ، لا جرم أنه وهبني جناحا من الكبرياء ، فحلقت في ميادين عزه ، فكنت أرى عجائب صنعه ، وعندما علم بضعفى ، وعرف حاجتي ، جعلني أقوى بقوته ، وزينني بزينته ووضع تاج الكرامة على رأسي ، وفتح لي باب قصر التوحيد ولما علم أن صفاتى من صفاته خلع علىّ اسما من حضرته ، وشرفني به ، وتجلت الوحدة ، وزالت الاثنينية ، وقال : رضاؤنا رضاؤك ، ورضاؤك رضاؤنا ، لا يقبل قولك الذم ، ولا يمتن شخص عليك ، ثم أذاقنى جرح الغيرة ، وأحياني ثانية ، وخرجت من بوتقة الامتحان خالصا ، فقال لمن الملك ؟ قلت : لك ، قال : لمن الحكم ؟ قلت :
لك ، قال : لمن الاختيار ؟ قلت : لك لما كان الكلام هو نفس الكلام الذي سمعه في البداية ، أراد أن يبين لي أنه لو لم تكن رحمته سبقت ، لما ارتاح الخلق قط ، ولو لم تكن محبته ، لاجتاحت قدرة الدمار ، الجميع ثم نظر إلىّ نظرة القهار بواسطة الجبار ، فلم ير أحد أثرا لي من الآدمية ، وعندما ألقيت بنفسي في كل وادى وأنا ثمل ، وصهرت جسدي في كل بوتقة بنار الغيرة ، وهاجمت بجواد الطلب في فضاء الصحراء . لم أر صيدا أفضل من الحاجة ، ولم أجد شيئا أفضل من العجز ، ولم أر سراجا أضوأ من الصمت ، ولم أسمع قولا أفضل من الصمت ، فسكنت قصر السكوت ، وارتديت صدرة الصبر ووصل بي الأمر إلى أنني رأيت ظاهري وباطني خاليا من علة البشرية ، فانفرجت فرجة من الفرج في صدري المظلم . ومنحنى لسانا من التجريد والتوحيد ، لا جرم أن لساني الآن من اللطف الصمداني ، وقلبي من النور الرباني ، وعيناي من الصنع الإلهى ، أتحدث بمدده ، وآخذ بقوته ، طالما أحيا به ، فلن أموت قط ، طالما أدركت هذا المقام فإن إشارتى أزلية وعبادتي أبدية ، ولساني التوحيد ، ونفسي نفس
تذكرة الأولياء — صفحة 399
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٣٩٩