يروى : أن أبا يزيد حظى بقرب حضرة العزة سبعين مرة ، كلما كان يعود ، كان يعقد زنارا ويقطعه ثانية ، ولما انتهى عمره ذهب إلى المحراب وعقد زنارا ، وكان لديه فراء ، ارتداه مقلوبا ، ووضع عمامة مقلوبة على رأسه ، وقال : إلهي لا أبيع رياضة العمر كله ، ولا أعرض صلاة كل الليالي ، ولا أتحدث عن صوم العمر كله ، ولا أحصى خواتم القرآن ، ولا أتحدث عن الأوقات والمناجاة والقرب ، وأنت تعلم أنني لا انظر إلى شئ قط ، وهذا الذي أشرحه بلساني ليس بسبب التفاخر أو الاعتماد عليه ، بل أذكره لأننى أخجل مما فعلته ، وقد خلعت علىّ هذه الخلعة وهي أن أرى نفسي هكذا ، وكل هذا لا شئ ، والظن أنه العدم . أنا تركمانى ، أبيض شعري في الزردشتية ، أعود الآن من الصحراء وأقول : تنكرى ، تنكرى 243 . وأتعلم الآن قول : اللّه ، اللّه ، أقطع الزنار الآن ، وأضع قدمي في دائرة الإسلام ، وأنطق الآن بالشهادة ، لا علة لأمرك ، قبولك ليس بالطاعة ، وليس بسبب المعصية ، كل شئ فعلته ، ظننته هباء ، وكل شئ تراه منى لا يليق بحضرتك ، اعف عنه ، وانفض غبار المعصية عنى فإنني نفضت غبار الوهم في الطاعة .
يروى : أن الشيخ كان يكثر من قول اللّه ، اللّه في البداية ، وكان يقوله في النزع أيضا ، ثم قال يا رب ، لم أذكرك قط إلا في غفلة ، والآن حيث تصعد الروح أنا غافل عن طاعتك ، ولا أعلم متى سيكون الحضور ، ثم أسلم الروح وهو في الذكر والحضور .
في تلك الليلة التي أدركته فيها الوفاة ، كان أبو موسى غائبا ، قال : رأيت في المنام أنني قد وضعت العرش على مفرقي ، وكنت أحمله ، وأتعجب . وفي الصباح توجهت لأقص المنام على الشيخ وكان الشيخ قد توفى ، وكان خلق غفير قد جاء من الأطراف ، ولما رفعوا نعشه ، سعيت كي يفسحوا لي ناحية من النعش ، ولم
تذكرة الأولياء — صفحة 403
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤٠٣