بهذا القدر ، واستولى على الشفاعة التي هي مقام صاحب الشريعة ، فحفظت الأدب . قال القشيري : « بهذه الهمة نال ما نال » وقد حلق أبو يزيد بهذه الهمة العالية في أوج الشرف .
يروى : أن الشيخ قال : أول مرة ذهبت فيها إلى البيت ( الحرام ) ، رأيت البيت وثاني مرة ذهبت فيها إلى البيت ، رأيت رب البيت ، وثالث مرة لم أر البيت ولا رب البيت 216 أي إنني فنيت في الحق ، فلم أعرف شيئا قط ، فإن رأيت ، رأيت الحق ، والدليل على هذا القول : أن رجلا ذهب إلى دار أبى يزيد ، ونادى ( عليه ) فقال الشيخ : من تريد ؟ قال : أريد أيا يزيد ، قال : مسكين أبو يزيد ، أبحث عنه طيلة ثلاثين عاما ، ولا أجد له أثرا 217 .
أخبر ذو النون بهذا الكلام ، فقال : ليغفر الله لأخي أبى يزيد ، فقد ضل مع الضالين في الله 218 .
يروى : أنهم قالوا لأبى يزيد : قل لنا شيئا عن مجاهدتك ، قال : إن تحدثت عن أعظم شيء لما طقتموه ، لكني أتحدث عن أقل شيء : ذات يوم ، أمرت النفس بأمر ما ، فرفضت أي لم تطع الأمر ، فلم أمدها بالماء عاما ، وقلت : يا نفس .
هبى الجسد للطاعة أو اهلكى من العطش .
وقال أبو يزيد : ما تقول في شخص حجابه الحق ، أي طالما يعرف أنه الحق ، فينبغي أن ينمحى حجابه وينمحى علمه أيضا ، حتى يتحقق الكشف الحقيقي .
وكان مستغرقا إلى حد أن مريدا كان لديه ، لم ينفصل عنه طيلة عشرين عاما ، وكل يوم كان الشيخ يدعوه ، وكان يقول له : ما اسمك يا بنى ؟ فقال له المريد ذات يوم : أيها الشيخ ، إنك تحزننى لأننى أخدمك طيلة عشرين عاما ، وكل يوم تسأل عن اسمى ! قال الشيخ : أي بنى ، إنني لا أهزأ بك ، لكن اسمه قد جاء ، ومحى كل الأسماء من قلبي فاتذكر الاسم الجديد ، ثم أنساه .
تذكرة الأولياء — صفحة 376
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٣٧٦