يروى : أن يحيى بن معاذ 205 ( رحمة الله عليه ) كتب رسالة إلى أبى يزيد وقال : ما تقول في شخص شرب قدحا من الشراب ، وثمل ثمالة الأزل والأبد ، فأجاب أبو يزيد : لا أعرف ذلك ، ما أعرفه : أن هنا رجل ، يسبح في بحور الأزل والأبد ليلا ونهارا ، ويصيح قائلا «
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
» .
فكتب يحيى رسالة ( فحواها ) : لي معك سر ، ولكن موعدنا الجنة ، نتحدث في ظل طوبى وأرسل رغيفا مع تلك الرسالة ، وقال يجب أن يتناول الشيخ هذا ، فقد عجنته بماء زمزم .
أجاب أبو يزيد : وقد تذكر سره ثانية ، وقال : هناك حيث يكون ذكره ننعم بكنوز الجنة ، وظلال طوبى ، لكني لن أتناول ذلك الرغيف ، لأنك كنت قد قلت بأي ماء عجنته ولم تقل بأي بذرة زرعته .
اشتاق يحيى بن معاذ كثيرا للشيخ ، فنهض ، وجاء لزيارته ، وصل هناك عند صلاة العشاء ، قال : لم أستطع إزعاج الشيخ ، ولم أصبر حتى الصباح فذهبت إلى مكان في الصحراء دلوني عليه ، فرأيت الشيخ يؤدى صلاة العشاء ، وكان قد وقف على أطراف أصابعه حتى الصباح . وقال : بقيت في عجب ، وكنت أنصت إليه ، فقد انشغل طوال الليل بالعمل ، وعندما تنفس الصبح ورد على لسان الشيخ : « أعوذ بك أن أسألك هذا المقام » ، فتقدم يحيى في وقته ، وسلم ، وسأل عن واقعة الليل ، فقال الشيخ : أحصوا لنا نيفا وعشرين مقاما ، فقلت : لا أريد منها شيئا قط ، فجميعها حجب ، بدايتها يحيى ، ونهايتها أبو يزيد .
قال يحيى : أيها الشيخ : لما ذا لم تطلب المعرفة من الله ؟ وهو ملك الملوك وقد قال : اطلب ما تريد ، فصاح أبو يزيد قائلا : اصمت يا يحيى ، إنني أغار عليك فأنا أعرفه هو ولا أريد قط أن يعرفه سواه أي شأن لي حيث كانت معرفته ، فهو أراد ذلك يا يحيى . لا يعرفه سواه شخص آخر ، ومن ثم قال يحيى : بحق عزة