الأبدي ولا لسان له كي يثنى عليه ثناء شريفا ، ولا عقل ولا علم له كي يعرفه مثقال ذرة . وهذه الآية متعلقة به .
وأرسل ذو النون مريدا إلى أبى يزيد ، وقال : اذهب وقل له : يا أبا يزيد تنام طوال الليل في البادية ، وتنشغل بالراحة ومضت القافلة ، فجاء المريد ، وقال ذلك الكلام ( للشيخ ) فأجاب الشيخ : قل لذي النون ، الرجل الكامل من ينام الليل كله ، وينهض في الصباح ، ويترك المنزل قبل نزول القافلة . ولما قصّ هذا الكلام لذي النون ، بكى ، وقال : ليباركه الله ، فلم تصل أحوالنا لهذه الدرجة بعد .
فهو يطلب الطريقة بهذه البادية ، ويبتغى علم الباطن بهذا السلوك .
يروى : أن أبا يزيد كانت لديه ناقة ، وكان قد وضع عليها متاعه في الطريق قال شخص : مسكينة تلك الناقة فالأحمال كثيرة عليها ، وهذا ظلم تام ، عندما سمع أبو يزيد منه هذا القول عدة مرات ، قال : أيها السخى ، الناقة ليست محملة ، فنظر ، هل الأحمال موجودة على ظهر الناقة ؟ فرأى يدا رفعتها عن ظهر الناقة ، ولم تشعر الناقة بثقلها قط . فقال « سبحان الله » يا له من أمر عجيب ، قال أبو يزيد : إن أخفيت عنكم حقيقة حالي ، تسلطون على ألسنة الملامة ، وإن كشفتها لكم ، لا تطيقها حوصلتكم فما ذا يجب أن أفعل معكم ؟ .
ومن ثم عندما ذهب ، وزار المدينة ، أمر بالعودة إلى والدته ، فاتجه مع جماعة إلى بسطام ، وانتشر الخبر في المدينة ، فذهب أهل بسطام إلى الأطراف لاستقباله وكانت مجاملتهم ستشغل أبا يزيد ، وتبعده عن الحق ، ولما اقتربوا منه أخذ الشيخ رغيفا من كمه وكان ( الوقت ) رمضان ، ووقف يأكله ، رأى الجميع ذلك ، فانفضوا عنه ، قال الشيخ لأصحابه : ألم تروا أنى تركت مسألة من الشرع ، فرفضنى الخلق جميعا 200 . ثم انتظر ، حتى حل الليل ، وفي منتصف الليل ذهب إلى بسطام ودخل دار أمه ، وأنصت ، فسمع صوتا بأن أمه كانت
تذكرة الأولياء — صفحة 354
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٣٥٤