الحضرة العظيمة والحجاب والخدم ، أردت أن يبدو علىّ قليل من التغير ، فتقدمت امرأة بعصاة ، ونظرت إلىّ وقالت : أيها الجسد لا تخشى من يحملونك إليه فأنت وهو كلاكما عبدان لإله واحد جل جلاله ولا يستطيعون أن يفعلوا مع عبد شيئا قط ما لم يرد الله ، ثم رأيت سقاء في الطريق أعطاني ماء طاهرا أشرت إلى الرجل الذي كان معي فأعطاه دينارا لم يقبله وقال : إنك أسير وليس من المروة أخذ شئ من أسير وغريب ومقيد مثلك . ثم صدر أمر ، احملوه إلى السجن ، وأن يظل في الحبس أربعين يوما بلياليها . كل يوم كانت أخت بشر الحافي تحمل إليه رغيفا من صنعها ، وفي ذلك اليوم الذي كان سيخرج فيه من السجن ، كانت الأرغفة الأربعون موضوعة ولم يكن قد تناول أحدها . ولما سمعت ذلك أخت بشر ، حزنت ، وقالت : إنك تعلم أن تلك الأرغفة كانت حلالا وبلا منة ، فلما ذا لم تأكلها ؟ قال : لأن وعاءها لم يكن طاهرا أي أنها كانت تمر على يد حارس السجن ، ولما خرج من السجن وقع ، وأصيب جبينه ، ويروى :
أنه نزف دماء غزيرة لكن لم تسقط قطرة على وجهه أو شعره أو ثيابه ، وما سقط على الأرض ، اختفى كله بأمر الله ( عزّ وجل ) . ثم حملوه إلى الخليفة ، فطلب منه شرحا لقوله ، فشرح ذلك القول ، فأخذ المتوكل في البكاء ، وعجب كل أركان الدولة لفصاحته وبلاغته ، وصار الخليفة مريده ، وأعاده معززا مكرما .
يروى : أن أحمد السلمى 171 قال : توجهت إلى ذي النون ، فرأيت طستا ذهبيا أمامه ، وحوله رائحة ذكية من المسك والعبير . قال لي : إنك تذهب إلى الملوك حيث البسط فخفت من ذلك وعدت ، ثم أعطاني درهما ، كنت أنفق منه في بلخ .
يروى : أن مريدا كان لذي النون - حظى بأربعين أربعينية ، ووقف أربعين موقفا ، وترك نوم الليل أربعين عاما ، ومكث أربعين أخرى في حراسة حجرة
تذكرة الأولياء — صفحة 332
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٣٣٢