عشرة أقسام : عرضت عليهم جهنم ، ففرت جميعا ، وتفرقت خوفا منها ، وبقي قسم لم يفتن بالدنيا ، ولم يرغب في الآخرة ، ولم يخش الجحيم . فقلت لعبادي :
أنتم الذين لم تنظروا إلى الدنيا ، ولم ترغبوا في الجنة ، ولم تخشوا الجحيم ، ما تطلبون ؟ فرفعوا رؤوسهم جميعا وقالوا : أنت تعلم ما نريد 169 .
يروى : أن طفلا دخل ذات يوم على ذي النون ، وقال : لدى مائة ألف دينار ، وأريد أن أنفقها في خدمتك ، وأعطى ذلك المال لدراويشك ، قال ذو النون : هل أنت بالغ ؟ قال : لا ، قال : لا يجوز لك الإنفاق فاصبر حتى تبلغ . ولما بلغ الطفل ، جاء وتاب على يد الشيخ ، وأعطى ذلك الذهب للدراويش حتى أنفق المائة ألف دينار . ذات يوم وقع أمر ولم يبق شئ للدراويش ينفقونه . فقال الطفل : وا أسفاه ، أين ( أجد ) مائة ألف ( دينار ) أخرى حتى كنت أنفقها على هؤلاء الأسخياء ، سمع ذو النون هذا الكلام ، فعرف أنه لم يدرك حقيقة الأمر بعد ، فالدنيا مهمة وأكثر خطرا عنده . دعا ذو النون ذلك الطفل وقال : اذهب إلى دكان فلان العطار ، وبلغه عنى أن يمنحك الدواء الفلاني بثلاثة دراهم ، فذهب ، وأحضره قال : دقه في الهاون واسحقه ، حينئذ صب عليه قليل من السمن حتى يصير عجينا ، واصنع منه ثلاث حلقات ، وأثقب كل واحدة بالإبرة ، وأحضرها إلىّ فعل الطفل ما طلبه منه ، وأحضره ، مسحها ذو النون بيده وتنفس فيها فصارت ثلاث قطع من الياقوت لم يكن قد رأى مثلها قط من قبل . قال : احملها إلى السوق ، وقدر ثمنها ، ولكن لا تبعها ، فحملها الطفل إلى السوق ، وعرضها ، فطلبوا الواحدة بألف دينار ، عاد ، وقال للشيخ ، قال ذو النون صنعها في الهاون ، واسحقها ، وألق بها في الماء ، ففعل كما قال ، وألقى بها في الماء . قال أيها الطفل هؤلاء الدراويش ليسوا جوعى بسبب انعدام الخبز ، لكن هذا هو اختيارهم ، فتاب الطفل ، وتنبه ، ولم يبق لهذه الدنيا مكان في قلبه .
تذكرة الأولياء — صفحة 329
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٣٢٩