القلب - قدم إلى ذي النون ذات يوم : وقال : فعلت كذا وكذا ، ومع كل هذه المشقة لا يتحدث الحبيب معنا ، ولا يلقى نظرة علينا ، ولا يساوينا بشيء قط ولا ينكشف لي شئ قط من عالم الغيب ، وكل ما أقوله هذا لا أمدح به نفسي ( لكنني ) أشرح حالي ، أديت ما استطاعه عجزي ، ولا أشكو من الحق ، بل أشرح حالي ، فقد وضعت روحي وقلبي في خدمته ، لكنني أقص همّ شقائى ، وأحكى حكاية سوء طالعى ، ولا أقول هذا كي أقطع قلبي عن الطاعة ، لكنني أخشى إن طال عمرى تكون البقية كذلك - وكنت أدق الحلقة طوال عمرى على أمل ، فلم أسمع صوتا قط ، وعلى هذا يشق علىّ الصبر ، أنت الآن الطبيب الشافي ، والمعالج العارف فتدبر لعجزى ، فقال ذو النون : اذهب ، واشبع اللية ، ولا تصل صلاة العشاء . ونم طول الليل ، فإذا لم يرق الحبيب ، يعاتب ، وإذا لم ينظر إليك بالرحمة ، ينظر إليك بالعنف . ذهب الدرويش وشبع ، ولم يطاوعه قلبه على ترك صلاة العشاء فأداها ونام ، فرأى المصطفى عليه الصلاة والسلام في المنام قال : يقرئك حبيبك السلام ، ويقول من يأت إلى حضرتنا ويجهر بسره يكون مخنثا وجبانا لأن الاستقامة هي الأصل والأساس في العمل ، ويقول الحق تعالى : حققت مرادك أربعين عاما ، وجعلتك تدرك كل ما تتمنى ، ومع أنني أحقق مرادك ، لكن بلغ سلامنا إلى ذلك العيار المدعى ذي النون وقل له : أيها المدعى الكاذب إذا لم أشهر الفضيحة ، لما كنت ربك فلا تسلك سبيل المكر مع عاشقى الحضرة ومساكينها ، ولا تنفرهم من حضرتنا فاستيقظ المريد ، وغلبه البكاء . فذهب إلى ذي النون ، وقص حاله ، سمع ذو النون هذا الكلام : ( وقال ) :
قد بعث لي الله السلام ، ووصفني بالمدعى الكاذب ، وكان يتقلب على جانبيه من السرور ، وكان يبكى في صخب . إن قال شخص : كيف ؟ أيجوز أن يقول :
لشخص لا تصل ، ونم ؟ أقول : هم أطباء ، وأحيانا يعالج الطبيب بالسم ، طالما كان يعلم أن انبلاج أمره في هذا ، أمره بذلك لأنه علم أنه محفوظ ، ولا يمكن
تذكرة الأولياء — صفحة 333
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٣٣٣