ولم يكن لعبادته ورياضته حد . كانت له أخت في خدمته ، كما أنها كانت قد أصبحت عارفة ، وذات يوم كانت تقرأ هذه الآية :
( وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى )
168 .
فاتجهت إلى السماء وقالت : أرسلت المن والسلوى للإسرائيليين ولم ترسلها لأمة محمد ، بعزتك لم أتحرك ما لم تمطر المن والسلوى وفي الحال أخذ المن والسلوى في الهطول من نافذة الدار ، فخرجت مسرعة من الدار واتجهت إلى الفيافي واختفت ، ولم يجدوها قط .
يروى : أن ذا النون قال : كنت أطوف في الجبال ذات مرة فرأيت قوما مبتلين كانوا قد تجمعوا ، سألت ما حل بكم ؟ قالوا : هنا عابد في الصومعة ، يخرج مرة كل عام ، ويتنفس نفسا في هؤلاء القوم ، فيشفى الجميع ، ثم يدخل الصومعة ثانية ، ولا يخرج حتى العام التالي صبرت حتى خرج ، فرأيت رجلا أصفر الوجه نحيفا ، غائر العينين ، فارتعدت من هيبته ، ثم نظر إلى الخلق بعين الشفقة ، وعندئذ نظر إلى السماء ، وتنفس عدة أنفاس في هؤلاء المرضى ، فشفوا جميعا . ولما أراد أن يدخل الصومعة ، أمسكت بطرفه وقلت : بالله ، عالجت علة الظاهر فعالج علة الباطن ، فنظر إلىّ وقال ، اتركنى يا ذا النون ، فإن الحبيب ينظر من أوج العظمة والجلال ، وعندما يراك تتشبث بشخص آخر سواه يتركك له ، ويتركه لك ، وتهلكان واحدا بالآخر ، قال هذا ودخل الصومعة .
يروى : أن أصحاب ذي النون دخلوا ذات يوم فوجدوه كان يبكى ، قالوا : ما سبب البكاء ؟ قال : غفلت عيني في سجدة بالأمس ، فرأيت الله ، قال : يا أبا الفيض ، خلقت الخلق على عشرة أقسام ، وعرضت الدنيا عليهم ، فاتجهت تسعة أقسام منها إلى الدنيا وبقي قسم . وانقسم هذا القسم بدوره إلى عشرة أقسام ، عرضت الجنة عليها فاتجهت إليها تسعة أقسام وبقي قسم انقسم بدوره إلى