الدرجات الثلاث ، كان ينكشف لي على كل درجة إقليم ، فقلت : ليت درجات المسجد كانت أكثر حتى كانت أسباب السعادة تزيد .
ومرة أخرى استبد بي حال فتبول المهرج علىّ وهنا سررت أيضا .
ومرة أخرى ارتديت فراء كانت قد حلت به حشرات كثيرة وكانت تلدغني ، فجأة تذكرت تلك الثياب التي كنت قد وضعتها في الخزانة ، فصرخت النفس ( قائلة ) : ما آخر هذا العقاب ؟ وهنا رأيت نفسي على مرادها .
يروى : أنه قال : قضيت في البادية عدة أيام متوكلا ، ولم أجد شيئا ، كان لي صديق . قلت : إن ذهبت إليه يبطل توكلي ، فدخلت المسجد وأنا أردد على لساني : « توكلت على الحي الذي لا يموت لا إله إلا هو » 126 فهتف هاتف :
سبحان الله الذي طهر الأرض من المتوكلين ، قلت : لما ذا ؟ قال : كيف يكون متوكلا من يسلك طريقا طويلا من أجل لقمة يمنحها له صديق مجازى وعندئذ يقول : « توكلت على الحي الذي لا يموت » سميت الكذب توكلا .
وقال : رأيت زاهدا متوكلا ذات مرة ، فسألته : من أين تأكل ؟ قال : لا علم لي بهذا ، سل الرزاق ، أي شأن لي بهذا .
وقال : اشتريت غلاما ذات مرة ، وقلت : ما اسمك ؟ قال : ما تسمينى به ، قلت : ما تأكل ؟ قال : ما تعطيني ، قلت : وما تلبس ؟ قال : ما تلبسنى إياه ، قلت :
ما تفعل ؟ قال : ما تأمرني به ، قلت : ما تطلب ؟ قال : وأي شأن للعبد بالطلب .
فقلت لنفسي : يا مسكين هكذا كنت عبدا لله طوال العمر ، فتعلم العبودية ، وبكيت إلى حد أن زال العقل عنى . ولم يره أحد قط جلس مربعا ، فسألوه : لما ذا لا تجلس مربعا قط ؟ قال : جلست هكذا ذات يوم فسمعت صوتا من الهواء : يا ابن أدهم ! أيجلس العبيد هكذا أمام السادة ؟ فاستقمت في جلستى ، وتبت 127 .
تذكرة الأولياء — صفحة 306
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٣٠٦