إننا رغبنا في خبزك فأخذتيه من أمامنا ، وأعطيتيه لدرويش ، وفي ذات الوقت قلت : إن تلك الثمانية عشر رغيفا ليست لي ، وعندما أصبحت عشرينا ، أخذتيها ! فقالت : عندما دخلتما ، عرفت أنكما جوعانان ، فقلت : كيف أضع رغيفين أمام شيخين ؟ ولما دخل سائل ، أعطيتهما له ، وقلت للحق تعالى : إلهي ، إنك قلت : أجزى الحسنة بعشرة أمثالها ، وأنا على يقين من هذا . الآن تصدقت بالرغيفين من أجل رضائك ، كي تجزنى بهما عشرين من أجلهما ، وعندما أحضرت الثمانية عشر رغيفا ، عرفت ، أنها ليست خالية من التلاعب أو أنها ليست لي .
يروى : أن خادمة رابعة كانت تعد بصلا ذات مرة ، لأنها لم تكن قد أعدت طعاما طوال أيام مضت . احتاجت الخادمة إلى البصل ، فقالت : أطلبه من الجار ، فقالت رابعة : منذ أربعين عاما وأنا على عهد مع الحق تعالى ، ألا أطلب من غيره قط ، فتوقفى عن طهى البصل . وفي الحال حط طير من الهواء ، مقشرا بصل ، ألقى به في المقلاة ، فقالت : إنني لست آمنة المكر ، وتركت البصل المطهى ، وأكلت الخبز خالصا .
يروى : أن رابعة كانت قذ ذهبت إلى جبل ذات يوم ، وكان قد التف حولها كثير من الغزلان والماعز الجبلي والتيوس وحمر الوحش وكانوا ينظرون إليها ويقتربون منها . وفجأة ظهر الحسن البصري ، ولما رأى رابعة ، اتجه إليها فانصرفت تلك الحيوانات - عندما رأت الحسن - جميعها مرة واحدة . وبقيت رابعة بمفردها ، فغضب الحسن - الذي شاهد ذلك - ونظر إلى رابعة ، وقال :
لما ذا فروا منى وأنسوا بك ؟ قال رابعة : ما ذا أكلت اليوم ؟ قال : أكلت قليلا من السمن بالبصل . فقالت : إنك تأكل شحمهم ، فكيف لا يفرون منك ؟ !
يروى : أن رابعة مرت على دار الحسن ذات مرة ، وكان الحسن قد أطل من النافذة ، وهو يبكى . فسقطت دموعه على رداء رابعة ، فظنتها الأمطار ، ولما
تذكرة الأولياء — صفحة 265
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٢٦٥