علمت أنها دموع الحسن ، اتجهت إليه في الحال وقالت : أيها الأستاذ ، هذا البكاء من رعونات النفس احفظ دموعك ، حتى تصير بحرا بداخلك ، وكلما تبحث عن القلب في ذلك البحر ، لا تجده ، « إلا
عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
» 83 . ضاق الحسن بهذا الكلام ، لكنه أذعن . إلى أن رأى رابعة ذات يوم ، وكانت بالقرب من الماء ، فطرح الحسن سجادة على الماء ، وقال : يا رابعة تعالى ، كي نصلى ركعتين هنا . فقالت رابعة : يا حسن ، يجب أن تعرض نفسك في سوق الدنيا من أجل الآخرة ، بحيث يجب أن يعجز أبناء جنسك عن ذلك . ثم طرحت رابعة السجادة في الهواء ، وطارت عليها : وقالت : يا حسن ، تعال هنا ، كي يرانا الناس ، ولم يحظ الحسن بهذا المقام ، فلم يقل شيئا . أرادت رابعة أن تستحضر قلبه ، فقالت :
يا حسن ، ما فعلته ، تفعل مثله سمكة ، وما فعلته أنا ، تفعله ذبابة . والأمر خارج عن كليهما . ويجب الانشغال بالعمل .
يروى : أن الحسن البصري قال : بقيت يوما بليلة عند رابعة ، وتحدثت عن الطريقة والحقيقة ، ولم يجل بخاطرى أنني رجل ، ولم يجل بخاطرها أنها امرأة ، وعندما نهضت في آخر الأمر ، نظرت ، فرأيت نفسي مفلسا ، ورابعة مخلصة .
يروى : أن الحسن واثنين أو ثلاثة من أصحابه ذهبوا إلى رابعة ذات ليلة ، ولم يكن لديها سراج ، وأرادت لهم نور القلب ، فنفخت رابعة في ( طرف ) إصبعها ، فكان إصبعها يضئ كالمصباح في تلك الليلة وحتى النهار ، وجلسوا في ذلك النور حتى الصباح . إن يقل شخص : كيف يكون هذا ؟ أقول : مثل يد موسى عليه السّلام . إن يقل : هو نبي ، أقول : كل من يتبع نبي ، يمكن أن تكون له ذرة من النبوة ، كما يقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من رد دانقا من الحرام فقد نال درجة من النبوة » وقال : الرؤيا الصحيحة جزء من أربعين جزء من النبوة .