وأمسكت بيد حبيب ، وأخذته للقدر ، وقالت : انظر ما حل بنا بشؤم الربا والصيحة التي صحت بها على الفقير ، فإذا كان هذا ما حل بك في الدنيا فما بالك بالآخرة . رأى حبيب ذلك ، فاشتعلت في قلبه نار لم ينطفئ أوارها ، وقال : أيتها المرأة تبت عما مضى . وفي اليوم التالي خرج في طلب عملائه ، وكان اليوم يوم جمعة ، وكان الأطفال يلعبون ، وعندما رأوا حبيبا صاحوا : جاء حبيب آكل الربا ابتعدوا ، حتى لا يهب غباره علينا ، فنصبح تعساء مثله . ضاق حبيب بهذا الكلام فاتجه إلى مجلس ، وجرى شئ على لسان الحسن البصري ، اقتلع قلب حبيب دفعة واحدة ، وفقد وعيه ، ثم تاب ، وأدرك الحسن البصري ، وتشبث بتلابيبه . ولما عاد من ذلك المجلس ، رآه مدين ، فأراد أن يهرب منه ، قال حبيب : لا تهرب ، كان يمكنك الفرار منى حتى هذه اللحظة ( لكن ) الآن علىّ أنا أن أهرب منك ، وعاد من هناك . كان الأطفال يلعبون ، ولما رأوا حبيبا قالوا : ابتعدوا كي يمر حبيب التائب ، ولا يهب غبارنا عليه لأننا نعصى الله .
قال حبيب : إلهي وسيدي ، في هذا اليوم الذي تصالحت معك فيه جعلت القلوب ترق لي ، وطيبت اسمى . ثم نادى مناد من له شئ عند حبيب فليأت ويأخذه ، فتجمع الخلق ، وأعطاهم أمواله كلها حتى أفلس . وجاء شخص آخر ( يطلب ماله ) ولم يكن قد بقي لديه شئ فأعطاه عباءة زوجته . وطلب آخر ماله فأعطاه قميصه ، وبقي عاريا ، واعتكف في صومعة على شاطئ الفرات ، وانشغل فيها بعبادة الله ليل نهار .
وكان يتعلم من الحسن ولم يكن يستطيع قراءة القرآن ، ولهذا سمى بالعجمى .
وقيل : إنه لما انقضى زمن ، صار معدما فقيرا ، وكانت زوجته تطلب منه النفقات والحوائج فخرج حبيب ، وقصد الصومعة ، وتعبد فيها ، وعندما حل
تذكرة الأولياء — صفحة 246
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٢٤٦