تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
والكنوز ، السلام عليك حتى العام التالي ، يقول هذا ، ويعود ، أثر هذا الكلام في الحسن بحيث ذاب قلبه ؛ فدبر للعودة في الحال ، واتجه إلى البصرة ، وأقسم أيضا ألا يضحك طوال حياته طالما أن عاقبة أمره غير معلومة . كما ألقى بنفسه في أنواع المجاهدة والعبادة ، لدرجة إنه لم يتأت لأحد في عهده رياضة تفوق تلك الرياضة ، حتى أن رياضته وصلت إلى درجة أنهم قالوا : ظل سبعين عاما لا تفسد طهارته سوى عند قضاء الحاجة ، كما أنه اعتزل إلى حد أنه قطع الأمل عن جملة الخلق ، لا جرم أنه فاق الجميع . وحدث أن نهض رجل ذات يوم في جماعة وقال : لما ذا الحسن أعظمنا وأفضلنا ؟ فقال شيخ كان حاضرا : لأن جملة الخلق في حاجة إلى علمه اليوم ، وهو ليس محتاجا إلى الخلق مثقال ذرة ، الجميع محتاج له في الدين ، وهو في غنى عن الجميع في الدنيا ، والسمو والفضل يتمثلان في هذا . كان ( الحسن ) يتحدث مرة في الأسبوع في مجلس الوعظ ، وكل مرة كان يعتلى فيها المنبر ، ولا يرى رابعة 35 ، كان يترك المجلس ، ويهبط . فيقولون له : أيها السيد : قدم إليك كل هذا الحشد من العظماء والسادة والمشايخ ، فما ذا يهم لو لم تأت العجوز ؟ فكان يقول : بلى ، إننا لا نستطيع صب الحساء - التي نكون قد أعددناها من أجل حوصلة الأفيال - في صدور النمل ، وكلما تزداد الإثارة في المجلس ، كان يتجه إلى رابعة ( قائلا ) : يا من ارتديت الصوف « هذا من جمرات قلبك يا سيدة » . سألوه : نعلم أنك تسعد بهذا الجمع الذي يحتشد تحت منبرك ، فقال : إنني لا أسعد بكثرة الجمع ، ولكن إن حضر فقير واحد يسعد قلبي . وسئل أيضا : ما هو الإسلام ؟ ومن هو المسلم ؟ قال : الإسلام في الكتب والمسلمون تحت التراب . وسئل : ما أصل الدين ؟ « قال : الورع » ، فقالوا : وما الشئ الذي يفسد الورع ؟ « قال الطمع » .
تذكرة الأولياء — صفحة 216 | فريد الدين العطار النيسابوري / منال اليمنى