يتكلم أنه بجعل مستقل أولا ، فإنا لا نعقل من جعل الدلوك سببا للوجوب خصوصا عند من لا يرى كالأشاعرة الأحكام منوطة بالمصالح والمفاسد الموجودة في أفعال إلا إنشاء الوجوب عند الدلوك ، وإلا فالسببية القائمة بالدلوك ( 1 ) ليست من لوازم ذاته بأن يكون فيه معنى يقتضي إيجاب الشارع
شرح
الحكم الوضعي هو نفس المصلحة والمفسدة ، مع أنّك قد عرفت فساده وأنّه على تقدير التّسليم لا يمكن أن يكون مجعولا أيضا ، فالأمر في انتزاعيّة الحكم الوضعي على مذهب الأشاعرة أظهر منه بناء على مذهب العدليّة .
( 1 ) أراد بذلك إثبات كون السّببيّة اعتباريّة ليست إلّا وإن كانت على تقدير عدم اعتباريّتها غير قابلة للجعل أيضا ، فما ذكره بيان للواقع لكون تماميّة المطلب وهو استحالة تعلّق الجعل بالحكم الوضعيّ موقوفة عليه ، ثمّ إنّ الفرق بين ما ذكره أوّلا من كون السّببيّة من الذّاتيات للدّلوك وما ذكره أخيرا من كونها من الأوصاف الّتي أوجدها الشّارع لا من حيث كونه شارعا ، بل من حيث كونه خالقا وموجدا في الدّلوك باعتبار الفصل والخصوصيّة ممّا لا يكاد يخفى على أحد ، فإنّ الأوّل من مقتضيات الذّات ولوازم الماهيّة من غير أن يكون بإيجاد الشّارع ، أو يكون بإيجاده بالنّظر إلى أصل الماهيّة على ما هو رأي جماعة من الحكماء من تعلّق الجعل ، بلوازم الماهيّة أيضا فتدبّر . والثّاني من الموجودات بإيجاد الشّارع بالنّظر إلى ضميمة الفصل والخصوصيّة .
ثمّ إنّ الدّليل على ما ذكره هو ما تقرّر في محلّه من أنّ الأسباب الشّرعيّة ليست كالأسباب العقليّة مؤثّرة في المسبّب وموجدة له ، بل إنّما هي معرّفات وكواشف عن وجود المسبّب عندها باعتبار وجود المصلحة المقتضية لإيجاب الشّارع من باب اللّطف الفعل عندها من حيث اقتضاء المصلحة لا من حيث تأثير السّبب ، وإن كان له دخل في مصلحة الفعل أيضا في الجملة ، لأنّ المنفيّ إنّما هي السّببيّة التّامة .