. . . . . . . .
شرح
أصالة الحليّة حقيقة ، نعم إذا كان الشك مسبّبا عن وجود المقتضي كما في المثالين الأوّلين كان مقتضى الأصل الأوّلي الحكم بالحرمة لولا الأصل الحاكم ؛ لأنّا نقول ما ذكر من الرجوع إلى أصالة عدم المانع إن أريد به ذات المانع - أي أصالة عدم النسب والرضاع - فهو صحيح لا محيص عنه وهو معنى ما ذكرنا أوّلا ، إلّا أنّ ما ذكر من أنّها في معنى الرجوع إلى أصالة الحلّيّة ممّا لا محصّل له أصلا وإن توافقتا من حيث المضمون ، وإن أريد عنوانه ففيه أنّه من الأصول المثبّتة مضافا إلى رجوعه إلى الوجه الأوّل بعد التسليم ، والحاصل أنّ الحكم بالحلّيّة من جهة أصالة عدم النسب المانع من تأثير العقد ليس حكما بها من جهة نفس الشكّ ؛ لأنّ الشكّ من جهة وجود السّبب المحلّل لا يقتضي الحكم بالحلّيّة ، بل مقتضاه الحكم بعدم وجود السبب والحرمة كما هو ظاهر ، فلا فرق في أمثلة الرواية من جهة عدم استناد الحلّيّة إلى نفس الشكّ .
ثمّ إنّ من العجب ما حكي عن بعض السادة الأجلّة من أفاضل معاصرينا في هذا المقام ، حيث زعم أنّ قوله - عليه السلام : كلّ شيء لك حلال - في الرواية بقرينة الأمثلة المذكورة فيها في مقام إعطاء الضّابطة والقاعدة للبناء على سببيّة الموجود المردّد بين السبب وغيره نظير قوله تعالى :أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ، الدالّ على تشريع سببيّة البيع في الشرع ، إذ لا فرق بين قوله تعالى وقوله عليه السلام : « كلّ شيء لك حلال » ، إلّا من حيث الموضوع ، فإنّ الآية مسوقة لبيان سببيّة خصوص البيع ، والرواية مسوقة لبيان سببيّة كلّ شيء شكّ في سببيّته في الشبهة الموضوعيّة ، وإلّا فالمحمول في الموضعين هو التحليل ، وقد أسري هذا المعنى في باب الشّكّ في وجود شرط الصّلاة من جهة الشكّ في لباس المصلّي من حيث إنّه ممّا يجوز الصّلاة فيه أوّلا ، وأنت خبير بأنّ المعنى المذكور مضافا إلى كونه موجبا لهدم بناء الفقه والقواعد المسلّمة عند الفقهاء في كمال البعد من الرواية ، وأعجب منه ما في كلام بعض المعاصرين في تقريب جعل ما في الرواية مثالا للكليّة المذكورة فيها