بعد ما قلنا بان مجرّد الصّغيرة لا يقدح في العدالة فهل الاصرار عليها قادح أم لا والكلام هنا يقع في مواضع ثلاثة
الأوّل في ان الاصرار على الصغيرة كبيرة أم لا
ظ الأكثرين لا حيث ذكروا الاصرار على الصغائر بعد ذكر الاجتناب من الكبائر وظ بعضهم انه كبيرة لرواية دلت عليه ولقوله ع لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الاصرار بناء على ظهور كلمة لا في نفى الجنس ونفى الثالث في البين والحق مع المعظم لان المتبادر من الكبيرة غير الاصرار على الصّغيرة والأصل في التبادر ان يكون وضعيّا ولصحة سلب الكبيرة عنه وأيضا قوله تعالى
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ
وقوله ع من اجتنب الكبائر غفر اللّه جميع ذنوبه دلّا على الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر وان بلغت إلى حد الاصرار كما لا يخفى فاذن لا بد من حمل الروايتين القائلين بان الاصرار على الصغائر كبيرة على حكمها حكم الكبائر لا انّها كبائر حقيقة
الموضع الثّانى في ان المراد من الاصرار
ما ذا فالقول يحتمل ان يكون المراد به فعل الذّنب مع عدم التوبة كما يدل عليه رواية جابر عن الباقر ع في تفسير قوله تعالى ولم يصروا من أن الاصرار هو ان يذنب ولا يستغفر وهو حجّة لأنه يفيد الظنّ بان الاصرار معناه هو ذلك والظن في الموضوع المستنبط حجة لكن فيه أولا ان اللّغويين لعلّهم مطبقون على أن الاصرار عبارة عن المداومة والمواظبة والثبات على الشيء فيعتمد عليه فنقول بعدم وضعه لغيره لأصل عدم الاشتراك وثانيا ان المتبادر من الاصرار عرفا هو الاكثار والمواظبة فغيره مجاز لعدم التّبادر أو تبادر الغير وثالثا ظهور اجماع الاماميّة على أن معنى الاصرار غير ذلك وان حكى عن بعض انه نقل قولا بذلك وامّا الرواية المذكورة عن جابر فهي مع كونها ضعيفة لا جابر لها مخصوصة بالمورد الخاص ولا يلزم منه كون الاصرار ومعناه ذلك في اى مورد كما أن قوله ع بان الباء للتّبعيض في قوله تعالى
فَامْسَحُوا *
برءوسكم لا يلزم منه كون الباء مط للتبعيض فت مضافا إلى انّه لا يحصل منها الظنّ بعد اطباق العرف واللّغة والاماميّة على خلافها سلّمنا حصول الظنّ لكن حجية في مثل المقام مم للثبوت لان الدليل على حجية الظنّ في الموضوع المستنبط هو الدّليل العقلي المركب من المقدمات التي أحدها الانسداد وهي غير آتية لما عرفت من اتفاق العرف وأهل اللّغة على الخلاف فباب العلم هنا منفتح فت هذا كلّه مع أن الرواية المذكورة مجملة لانّها مشتملة على كلمة لا يستغفر وهي ظاهرة في نفى الجنس وهذا الظهور مناسب للاحتمال الثاني الآتي اعني الذّنب مع المداومة على ترك التوبة فان الظاهر من قول القائل فلان يأكل ولا يشبع انه كذلك دائما فيصير الرواية مجملة بين الاوّل والثاني ولا يصحّ الاستدلال لها على الاحتمال الأول ولا على الاحتمال الثاني ورابعا قوله تعالى لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الاصرار فانّها دالة على اقسام المعاصي إلى صغيرة وكبيرة على الاطلاق وعلى أن الكبيرة يرتفع بالاستغفار والصّغيرة متبدلة إلى الكبيرة مع الاصرار إذ لا يعقل قسم ثالث وإذا كان الاصرار بمعنى عدم التوبة كما قبل فما الفرق بين الكبيرة والصغيرة مع ارتفاع كل منهما بعد التوبة وكون كل منهما قبل التوبة كبيرة نعم يظهر فرق وهو كون الكبيرة قادحة للعدالة بالطّبع والصغيرة بالعرض ولا يخفى ان مجرّد هذا الفرق غير موجب لصدور البيان من الش وما مرّ من رواية جابر قد علمت فساده لان المراد منه إن كان بيان المراد فلا دلالة فيه فت وإن كان بيان المعنى الحقيقي فمعارض مع العرف واللغة وان كان بيان الحكم فقد عرفت من الادلّة السّابقة ان الصّغيرة لا تضر بالعدالة فهذا الاحتمال في معنى الاصرار فاسد ويحتمل ان يكون المراد منه فعل الذنب مع المداومة على ترك التوبة وهو أيضا مخالف للاجماع اللغويّين ظاهرا والأهل العرف ويحتمل ان يكون المراد منه فعل الذنب مع العزم عليه ثانيا وهو أيضا مخالف لفهم العرف ويحتمل ان يكون المراد به الاكثار على النوع الواحد من الصّغيرة مع عدم تخلل التوبة والحق في هذا الاحتمال ان يقال بالتّفصيل وهو انه لو توجّه على المكلّف وقايع عديدة من نوع واحد من المعصية وكان متمكنا من ارتكاب الكلّ ومع ذلك ارتكبها في الأغلب أو كثيرا فهو مضر على الذنب متصلة كانت الوقائع أم منفصلة وامّا لو لم يكن كذلك فلا يصدق الاصرار إذ لا ينصرف اليه وبالجملة المناط في معنى الاصرار هو الصدق العرفي وهذا ممّا لا اشكال فيه وانّما الاشكال في انّه لو ارتكبها المكلّف مع تخلّل التوبة فهل يصدق الاصرار أم لا الظاهر ذلك لكن لا ينصرف اليه اللّه كلمات الأصحاب في جعلهم من هنا فيأت العدالة الاصرار على الصغائر فان هذا الكلام لا ينصرف إلى ذلك ولعلّه لا يضر بالعدالة للأدلة السّابقة ويحتمل ان يكون المراد من الاصرار الاكثار على جنس المعصية والمناط فيه أيضا على الصدق العرفي فرب مقام يصدق فيه الاصرار كما إذا توجه مائة نوع من المعصية ولكلّ من الأنواع واقعان وارتكب المعصية في كلّ من الواقعتين في الواقعة الواحدة من تلك الوقائع اى الأنواع ورب مقام لا يصدق الاصرار كما لو توجه اليه مائة نوع من المعصية وكان لكلّ من الأنواع مائة واقعة وارتكب في كل مائة واقعة واحدة
فلا يصدق الاصرار ح فت والحاصل ان المناط هو العرف
الموضع الثّالث في ان الاصرار على الصّغيرة قادح في العدالة أم لا
والتحقيق ان صدق الاصرار امّا معلوم أو عدم صدقه معلوم أو ليس شيء من الصدق وعدمه بمعلوم وعلى الاوّل أيضا امّا يكون الصدق بطريق التواطى وامّا يكون بطريق التشكيك فهذه صور أربع اما
الأولى منها فلا ريب في قدحها في العدالة لوجوه
الاوّل الاجماع الظني
الثاني مفهوم رواية علقمة
الدالة على أن من لم تره بعينك يرتكب ذنبا آه فان قلت لوقوع التعارض بين هذا المفهوم ومنطوق قوله باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار فإنه دال على أن المجتنب عن الكبائر عادل وان اصر على الصّغائر وهذا مقدم لانّه منطوق قلنا إن المفهوم مقدم لاعتضاده يعمل الأصحاب واعتراض العلماء عن هذا المنطوق
الثّالث قوله لا صغيرة مع الاصرار بناء على ما حققناه في المقام الاوّل
اى الموضع الأول من عدم