فبأنا لا نسلم أن كون مطلق الغيبة فاحشة لأن الفاحشة أما أن تكون عبارة عن القبائح العقلية والمعاصي الإلهية كما فسّر قوله تعالى :
« إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ »
بهما ، ويأتي إنشاء اللّه تعالى ، ان الغيبة بما هي هي مع قطع النظر عن انطباق بعض العناوين المقبحة عليها كالظلم والايذاء والبهتان ونحوها ، ليس مما يستقل العقل بقبحها ، وأما كونها معصية فهو فرع كونها حراما ومخالفته معصية ولا يمكن اثباته بهذه الآية ، نعم لو ثبت بدليل آخر كونها حراما ، لكانت فاحشة ، كما أنّ كل حرام تركه قبيح وفاحشة ، وكذلك مخالفة كل واجب فحال الغيبة حينئذ حال سائر المعاصي ، ولكن لا يمكن اثبات المعصية بهذه الآية وأما أن تكون عبارة عن خصوص الزنا والمساحقة ؛ كما فسرّت الآية المباركة بذلك ، وعليه فلا ربط لها بما نحن فيه ، ومحصّل الاشكال على الآية الكريمة انّ تمامية دلالة الآية على حرمة الغيبة موقوفة على كون الغيبة شياعا للفاحشة ، وكلاهما ممنوعان كما عرفت ذلك .
ومنها قوله تعالى : « لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ »
وجه الدلالة . ان الغيبة هي الجهر بالسوء المتعلق بالأخ المؤمن ، ودلالة الآية على انّ اللّه لا يريد وقوعها وتحققها من غير المظلوم ظاهرة ، وهو المعنى الملازم للحرمة وفيه ما لا يخفى من عدم دلالتها على الحرمة ، لأن الحرمة عبارة عن إرادة عدم تحقق الفعل من المكلف ، لا مجرد عدم الإرادة ونفي الحب عنه ، مضافا إلى ما سيأتي من أن معنى الغيبة ( كما يظهر من الاخبار المحددة لها ) عبارة عن ذكر المؤمن بما يسوؤه وبما يكرهه من العيب المستور على الناس ، لا مجرد ذكر السوء والعيب الذي يكون في المؤمن مطلقا ، سواء كرهه أم لم يكرهه ، وسواء كان مستورا أم لم يكن كما لا يخفى .
وأما الاخبار فكثيرة
،