والقول الأوّل يدل على الاستثناء من الطبيعي ، والقول الثاني يدلّ على الاستثناء من شخص الحكم ، فإن رجعت الجملة الاستثنائية إلى مفاد القول الأول كان لها مفهوم ، وإن رجعت إلى مفاد القول الثاني لم يكن لها مفهوم ، وهذا هو الأصحّ ، كما مرّ في الغاية « 1 » .
شرح
والركن الأول لضابط المفهوم ، حسب رأي المحقق العراقي ( رحمه الله ) - وهو أن يكون الربط بين الحكم الثابت للمستثنى منه والمستثنى بنحو النسبة الانحصارية ، أو التوقفية - متحقق في الجملة لاستثنائية بلا خلاف بين الأصوليين ، فاقتطاع وإخراج المستثنى من حكم المستثنى منه ، يدل على أن العلاقة بينهما انحصارية حيث ينحصر الحكم بالمستثنى منه بعد اقتطاع المستثنى .
( 1 ) فقد اتجه الأصوليون للبحث عن توفر الجملة الاستثنائية على الركن الثاني لضابط المفهوم ، وحيث يرى السيد الشهيد ( رحمه الله ) أن الممكن التعبير عن النسبة الاستثنائية - في مثل : أكرم العلماء إلا الفساق - بتعبير اسمي ، فيمكن صياغتها بصياغتين :
الصياغة الأولى : وجوب إكرام الفقراء يستثنى منه الفساق .
الصياغة الثانية : جعل الشارع وجوب إكرام الفقراء المستثنى منه الفساق .
والنسبة الاستثنائية بين المستثنى وحكم المستثنى منه في الصياغة الأولى تكون تامة ، لأن جملة المستثنى تكون خبرا لوجوب الإكرام الذي يمثل المبتدأ ، والنسبة بين المبتدأ والخبر هي نسبة تامة ، وإذا كان الحكم مبتدأ في الجملة فإنه يلحظ بنفسه طرفا للنسبة دون تقيده بشيء ، ولهذا فمن الممكن أن تجري مقدمات الحكمة في وجوب الإكرام ؛ فالمفهوم يتمثل في انتفاء طبيعي الحكم عن المستثنى ، ولذلك فلا يمكن أن يكون فرد آخر من الحكم بوجوب الإكرام ثابتا للمستثنى ( الفساق ) .
والنسبة بين المستثنى وحكم المستثنى منه في الصياغة الثانية تكون ناقصة ، لأن المستثنى يكون وصفا للحكم ، والنسبة بين الصفة والموصوف هي نسبة ناقصة ، وكون المستثنى وصفا للحكم يعني أن هناك حصتين من وجوب الإكرام :