ومثال ذلك : أداة المعلوم في قولنا : ( أكرم كلّ من في البيت ) ، ونفرض أنّ في البيت مائة شخص ، فلأداة العموم ظهور في الشمول للمائة باعتبار دلالتها على الاستيعاب ، ولها ظهور ضمني في الشمول لكلّ واحد من وحدات هذه المائة ، ولا شكّ في حجّية كلّ ظواهرها الضمنية .
ولكن إذا ورد مخصّص منفصل دلّ على عدم وجوب بعض أفراد العام ، ولنفرض أنّ هذا البعض يشمل عشرة من المائة ، فهذا يعني أنّ بعض الظواهر الضمنية سوف تسقط عن الحجّية ، لمجيء المخصّص . والسؤال هنا هو : أنّ الظواهر الضمنية الأخرى التي تشمل التسعين الباقين هل تبقى على الحجية ، أو لا ؟
فإن قيل بالأول كان معناه أنّ الظهور التضمّني غير تابع للظهور الاستقلالي في
شرح
الأول : الأساس العقلي . الثاني : الأساس الاستظهاري .
ولا يمكن في هذه الحالة اعتماد الأساس الثاني في الكشف عن رضا المعصوم وإمضائه للسيرة ، لأنها تستلزم الدور ، وذلك أننا بصدد إثبات حجية الظواهر الحالية ، وهذا يتوقف على ظهور حال المعصوم ( عليه السلام ) الكاشف عن رضاه وموافقته للسيرة ، وهذا يعني أننا نتمسك بظاهر الحال لإثبات حجية ظاهر الحال .
نعم ، يمكن الاعتماد على الأساس العقلي في إثبات ذلك . إما بملاحظة المعصوم ( عليه السلام ) مكلفا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتعليم الجاهل ، فالسيرة لو كانت مخالفة للشريعة لردع المعصوم عنها ، لأنه مكلف بالنهي عن المنكر ، فإذا لم يردع عنها فهذا يكشف عن موافقتها للشريعة ، لأنها لو كانت مخالفة للشريعة ومع ذلك لم يردع عنها ، فهذا يعني أنه خالف تكليفه ، والمعصوم ( عليه السلام ) لا يخالف تكليفه ، ومن ثم يكون عدم الردع كاشفا عن موافقة السيرة للشريعة .
وإما بملاحظة المعصوم ( عليه السلام ) شارعا هادفا ، له غرض وراء تشريعاته وأحكامه ، وحينئذ فلو لم تكن هذه السيرة مرضية لو لوجب عليه الردع عنها ، وعدم ردعه عنها مع عدم الرضا بها يستلزم نقض الغرض ، ونقض الغرض قبيح ، والقبيح لا يصدر من المعصوم ( عليه السلام ) ، فلا بد - إذن - أن تكون هذه السيرة مرضية له ، وموافقة لغرضه .