والظهور التصوري كثيرا ما لا ينثلم حتى في حالة قيام القرينة المتّصلة على الخلاف . فإذا قال المولى : ( اذهب إلى البحر ، وخذ العلم منه ) كانت الجملة قرينة على أنّ المراد بالبحر معنى آخر غير معناه الحقيقي ، وعلى الرغم من وجود القرينة فإنّ الظهور التصوري لكلمة ( البحر ) في معناها الحقيقي لا يزول « 1 » ، وإنّما يزول الظهور التصديقي في إرادة المتكلّم لذلك المعنى الحقيقي « 2 » ، ومن هنا صحّ القول بأنّ الظهور التصوري للّفظ في المعنى الحقيقي محفوظ حتى مع القرينة المتّصلة
شرح
الظهور التصديقي الجدي : وهو ظهور الكلام في أن المتكلم يريد المعنى الذي أخطره في ذهن السامع جدا ، والإرادة الجدية تتعلق بواقع المعنى الذي أخطره المتكلم إلى ذهن السامع ، ففي الجملة الخبرية تتعلق الإرادة بالحكاية عن وقوع النسبة في الواقع . وأما في الجمل الإنشائية فتختلف الإرادة الجدية التي تتعلق بواقع معنى الإنشاء بحسب الاختلاف في حقيقة الإنشاء ، فبناء على أنه إبراز الأمر الاعتباري ، فالإرادة الجدية هي إرادة ابراز اعتبار ذلك المعنى . وأما بناء على أن الإنشاء هو إيجاد المعنى باللفظ ، فالإرادة الجدية هي إرادة ثبوت المعنى الذي استعمل فيه اللفظ بغرض التحريك في الأوامر والنواهي ، أو بغرض ترتب الأمر الاعتباري بنظر العرف ، أو الشارع في العقود والايقاعات
( 1 ) فالظهور التصوري للفظ في المعنى الحقيقي لا يزول حتى إذا قامت قرينة متصلة على إرادة المعنى المجازي منه ، ففي مثل : اذهب إلى البحر وخذ العلم منه ، نلاحظ أن لكلمة البحر معنيان ، أحدهما حقيقي : وهو البحر من الماء ، والآخر مجازي : وهو البحر من العلم ، وعبارة ( وخذ العلم منه ) تمثل قرين على أن المراد من البحر هو معناه المجازي ، وظهور كلمة ( البحر ) في مدلولها التصوري - وهو البحر من الماء - ثابت رغم وجود هذه القرينة
( 2 ) فالمدلول التصديقي الاستعمالي والجدي للجملة . ينعقد وفق ظهور القرينة المتصلة ، لا وفق ظهور اللفظ ، لأن ظهور القرينة مقدم على ظهور ذي القرينة ، فيكون حال المتكلم ظاهرا في أنه لم يقصد إخطار وتفهيم المعنى الحقيقي للفظ ، بل قصد إخطار المعنى المجازي ، وينعقد الظهور التصديقي الجدي طبقا للظهور الاستعمالي في هذه الحالة ، ويكون مثل هذا الظهور حجة .