والأمر الآخر الذي يلاحظ على الوجه الثاني : أنّ السيرة العقلائية إنّما انعقدت على العمل بالظهور ، واتّخاذه أساسا لاكتشاف المراد في المتكلّم الاعتياديّ الذي يندر اعتماده على القرائن المنفصلة عادة ، والشارع ليس من هذا القبيل ، فإنّ اعتماده على القرائن المنفصلة يعتبر حالة متعارفة ، ولا توجد حالات مشابهة في العرف لحالة الشارع ليلاحظ موقف العقلاء منها « 1 » .
وهذا الاعتراض إنّما قد يتّجه إذا كان دليل الإمضاء متطابقا في الموضوع مع السيرة العقلائية . فكما أنّ السيرة العقلائية موضوعها المتكلّم الاعتياديّ الذي يندر اعتماده على القرائن المنفصلة ، كذلك دليل الإمضاء ، ولكنّ دليل الإمضاء أوسع من ذلك ؛ لأنّ السير العقلائية وإن كانت مختصّة بالمتكلّم الاعتيادي إلّا إنّها تقتضي الجري على طبقها في كلمات الشارع أيضا ، إمّا للعادة ، أو لعدم الاطّلاع إلى فترة من الزمن على خروج الشارع في اعتماده على القرائن المنفصلة عن الحالة الاعتيادية ، وهذا يشكّل خطرا على الأغراض الشرعية يحتّم الردع لو لم يكن الشارع موافقا على الأخذ بظواهر كلامه . ومن هنا يكشف عدم الردع عن إقرار الشارع لحجّية الظهور في الكلام الصادر منه « 2 » .
شرح
( 1 ) الأمر الثاني : إن العمل بالظواهر الذي قامت عليه سيرة العقلاء هو العمل بها والاعتماد عليها في الكشف عن المراد الجدي للمتكلم الاعتيادي ، حيث يكون الظاهر من كلامه موافقا لمراده الجدي مخالف للظاهر ، ولا يعتمد على القرينة المنفصلة في الكشف عن مراده إلا في حالات نادرة . وأما الشارع فهو يعتمد كثيرا على القرائن المنفصلة في الكشف عن مراده الجدي الذي يكون مخالفا لظاهر الكلام عادة . ومن هنا يظهر أن السيرة العقلائية لا تشمل حالة الاعتماد - غالبا - على القرائن المنفصلة التي تكشف عن مخالفة المراد الجدي لظاهر الكلام ، ولهذا فإن إمضاء الشارع للسيرة العقلائية لا يكشف عن حجية الظواهر اللفظية ، أو غير اللفظية ( الحالية ) في الكشف عن المراد الجدي للشارع ، لأن من غير الممكن أن تكون هذه الظواهر المخالفة للمراد الجدي غالبا موردا لإمضاء الشارع
( 2 ) فموضوع دليل الإمضاء إذا كان هو نفسه موضوع السيرة العقلائية ، والذي