وقد يناقش في الأمر الثاني - بعد تسليم الأول - : بأنّ الآية الكريمة لا تدل على إطلاق وجوب التحذّر لحالة عدم علم السامع بصدق المنذر ، وذلك لوجهين :
أحدهما : أنّ الآية لم تسق من حيث الأساس لإفادة وجوب التحذّر لنتمسّك بإطلاقها لإثبات وجوبه على كلّ حال ، وإنّما هي مسوقة لإفادة وجوب الإنذار ، فيثبت بإطلاقها أنّ وجوب الإنذار ثابت على كلّ حال ، وقد لا يوجب المولى التحذّر إلّا على من حصل له العلم ، ولكنّه يوجب الإنذار على كلّ حال ، وذلك احتياطا منه في مقام التشريع ، لعدم تمكّنه من إعطاء الضابطة للتمييز بين حالات
شرح
مفاد ( لعل ) في الآية الكريمة هو النسبة المترقب حصولها محبوبة ، وذلك بقرينة وقوع مدخول لعل ( الحذر ) غاية للإنذار ، ووقوع الإنذار غاية للتفقه في الدين ، ووقوع التفقه غاية للنفر ، ولما كان النفر واجبا على طائفة من كل فرقه ، وكان الإنذار واجبا إما لدخول ( لام ) الأمر عليه ، أو لدخول ( لام ) الغاية عليه ، فيكون الإنذار محبوبا ، ويكون الحذر الواقع غاية الإنذار المحبوب محبوبا . فهذه القرينة السياقية تدل على أن مدخول ( لعل ) ليس مكروها ، بل محبوبا بسبب وقوع مدخولها غاية للمحبوب *
هامش
( * ) ويناقش في كلام المحقق الأصفهاني ( رحمه الله ) بما تقدم من أن المغنى الحقيقي لكلمة ( لعل ) هو النسبة من حيث إنها يترقب ويتوقع حصولها ، والمدلول التصديقي لها هو أن الداعي لاستعمالها في تلك النسبة هو وصف الترقب ، فما دام هذا الوصف محال بالنسبة للباري ( تبارك وتعالى ) فلا بد أن يكون الداعي هو حب حصولها بالقرينة التي ذكرت في الشرح ، فمعنى كلمة ( لعل ) في هذه الآية هو نسبة الحذر إلى المنذرين من حيث أن الله يحب حصولها من المنذرين ، لا أنه يترقب حصولها ، ويمكن أن تكون هذه المناقشة هي مقصود السيد الشهيد ( رحمه الله ) في رده على المحقق الأصفهاني ( رحمه الله ) . ولو كان الاستدلال بالوجه الأول بهذا البيان وهو أن المعنى الحقيقي لكلمة ( لعل ) ( الترجي بمعنى المحبوب الذي يتوقع حصوله ) وهذا المعنى يستحيل بالنسبة للباري ( تبارك وتعالى ) ، فلا بد أن يكون معناها النسبة المحبوب حصولها يأتي اعتراض المحقق الأصفهاني بأن معنى ( لعل ) هو النسبة التي يتوقع حصولها ، سواء كان حصولها محبوبا أو مكروها وليس معناها الترجي ، فلا يستفاد أن الحذر محبوب ما دام معنى ( لعل ) هو النسبة التي يتوقع حصولها .