تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج الوصول إلى دروس في علم الأصول ( شرح الحلقة الثالثة ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
هامش
نفسيا ، وعندئذ تكون بحاجة إلى مقدمة خارجية غير مستفادة من مفهوم الآية لتتحقق دلالة المحمول في المفهوم على حجية خبر العادل ، وهي : أن وجوب النفسي إذا كان منفيا عن خبر العادل فهذا لا يخلو من فرضين : أولهما : أن يعمل بخبر العادل بدون وجوب التبيّن ، وهذا يسارق حجيته . ثانيهما : أن يرد خبر العادل ، ولا يعمل به دون تبيّن ، وهذا يستلزم : أن يكون خبر صدقه . وهذا يكشف عن نوع من الاهتمام بخبر الفاسق الا يحظى به خبر العادل ، وهو بديهي البطلان . فالمتعين هو الفرض الأول ، أي قبول خبر العادل بدون وجوب التبيّن ، وهذا يعني حجية خبر العادل . وهذا الرأي هو المشهور قبل الشيخ الأنصاري ( رحمه الله ) . إلا أن هذا الاحتمال باطل ، لأنه خلاف إجماع علماء المسلمين على أن الأمر بالتبيّن في الآية الكريمة ليس ظاهرا في الوجوب النفسي ، وهذا الإجماع يمثل قرينة خارجة عن مفاد الآية التي تدل على أن وجوب التبين ليس نفسيا . هذا أولا . وثانيا : أن الأمر بالتبيّن في منطوق الآية ظاهر في الوجوب الغيري ، وذلك بقرينتين : القرينة الأولى التعليل الوارد في ذيل الآية ، وهو قوله سبحانه :( . . . أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ . . . ) ،الذي يدل على أن العمل بخبر الفاسق بدون تبيّن يؤدي إلى إصابة القوم بجهالة بسبب مخالفة الواقع ، لا أن مجرد خبره يؤدي إلى ذلك ولو لم يعمل به ، فوجوب التبيّن - إذن - ليس نفسيا ، بل هو مقدمة لاجتناب المكلف إصابة القوم بجهالة الناتجة عن احتمال مخالفة خبر الفاسق للواقع . القرينة الثانية : أن نفس متعلق الأمر بالتبيّن وهو مادة ( ت . ب . ي . ن ) ليست لها موضوعية بحيث تكون بنفسها متعلقا للوجوب النفسي ، فهي مشابهة في ذلك لمادة العلم ( ع . ل . م ) ، ومادة الظن ( ظ . ن . ن ) في أنها جمعيا طريق إلى الحكم ، وليست متعلقا له بنفسها ، فالتبيّن من خبر الفاسق ظاهر لغة في أنه طريق إلى وجوب العمل به ، فيكون المعنى : أنه يجب العمل بخبر الفاسق بعد التبيّن من صدقه ، واتضاح عدم كذبه ، كما لو أن شخصا يريد أن يتخذ موقفا من غيره بسبب صدور أمر سيئ منه بحقه ، فيقال له : تأكد من ذلك ، فالتأكد والعلم في هذه الحالة ليس نفسيا ، بل هو طريق إلى الموقف الذي يريد أن يتخذه بحق الغير .