ومهما يكن الحال فلا شكّ في أنّ معاصرة السيرة العقلائية لعصر المعصومين ( عليهم السلام ) شرط في إمكان الاستدلال بها على الحكم الشرعي ، لأنّ حجّيتها ليست بلحاظ ذاتها ، بل بلحاظ استكشاف الإمضاء الشرعيّ من التقرير وعدم الردع ، فلكي يتمّ هذا الاستكشاف يجب أن تكون السيرة معاصرة لظهور المعصومين ( عليهم السلام ) ؛ لكي يدلّ سكوتهم على الإمضاء ، وأمّا السيرة المتأخّرة فلا يدلّ عدم الردع عنها على الإمضاء ، كما تقدّم في الحلقة السابقة .
وأمّا كيف يمكن إثبات أن السيرة كانت قائمة فعلا في عصر المعصومين فقد مرّ بنا البحث عن ذلك في الحلقة السابقة « 1 » .
شرح
العقلاء تتسع دائرتها عن الدواعي والمناشئ المعقولة لها إلى دائرة أوسع فتشمل المجالات التشريعية للشارع المقدس ، ومن ثم تشكل خطرا على الأغراض التشريعية للمولى الحقيقي ، فلا بد للشارع - في هذه الحالة - من درء هذا الخطر بالردع عنها ، وإلا فإن عدم الردع عنها سيستلزم نقض الغرض ، أو خلف العصمة .
وأما الإشكال الكبروي : فيندفع بأن عدم الردع لا يكشف عن رضا المعصوم بهذا السلوك فقط ، بل يكشف بالإضافة إلى ذلك عن رضاه بامتداد هذه السيرة إلى المجال التشريعي للمولى الحقيقي بحيث يصبح مضمون هذه السيرة من الأدلة على الحكم الشرعي
( 1 ) يشترط في كل سيرة ، سواء كانت عقلائية ، أم متشرعية - حتى يصح الاستدلال بها على الحكم الشرعي - أن تكون معاصرة لزمن المعصوم ، لأن السيرة ليست حجة بنفسها ، بل إنها تستمد حجيتها إما من الكشف عن السنّة كشف المسبب عن السبب ، والسيرة التي تكشف عن السنّة بهذا النحو من الكشف هي السيرة المعاصرة للمعصوم . وهذا في السيرة المتشرعية ، وإما من رضا المعصوم ( عليه السلام ) وتقريره لها ، وهذا في السيرة العقلائية ، وهذا الرضا يستكشف باتخاذ المعصوم ( عليه السلام ) الموقف الملائم للسيرة ، وأقله السكوت الذي لا يدل على الإمضاء والتقرير إلا إذا كانت السيرة معاصرة للمعصوم ( عليه السلام ) ، فالسيرة إذا كانت بمرأى ومسمع من المعصوم ( عليه السلام ) فسكوته وعدم ردعه عنها في هذه الحالة يدل على إمضائه لها ، وبذلك يثبت أن مضمون السيرة هو الحكم الشرعي .