منجّز ومعذّر في علاقات الآمرين بالمأمورين من العقلاء ، ولا يضرّ الشارع ذلك على أيّ حال .
فإن قال قائل : لما ذا يفترض بناء العقلاء على أنّ قول اللغويّ حجّة بلحاظ كلّ حكم وحاكمم وأمر وآمر بما فيهم الشارع ، فيكون هذا البناء مضرّا بالشارع إذا لم يكن قد جعل الحجّية لقول اللغوي « 1 » ؟
قلنا : إنّ كون قول اللغويّ منجّزا لحكم أو معذّرا عنه أمر لا يعقل جعله واتّخاذ قرار به إلّا من قبل جاعل ذلك الحكم بالنسبة إلى مأموره ومكلّفه ، فكلّ أب - مثلا - قد يجعل الأمارة الفلانية حجّة بينه وبين أبنائه بلحاظ أغراضه التشريعية التي يطلبها منهم ، ولا معنى لأن يجعلها حجّة بالنسبة إلى سائر الآباء الآخرين مع أبنائهم « 2 » .
وهكذا يتّضح أنّ الحجّية المتبانى عليها عقلائيا إنّما هي في حدود الأغراض التشريعية لأصحاب البناء أنفسهم ، فلا يضرّ الشارع ذلك .
وليس بالإمكان تصحيح الاستدلال بالسيرة على الحجّية بأفضل من القول بأنّها تمسّ الشارع ، لأنّها توجب - على أساس العادة - الجري على طبقها حتّى في نطاق الأغراض التشريعية لمولى لم يساهم في تلك السيرة ، وتوحي - ولو ارتكازا وخطأ - بأنّ مؤدّاها مورد الاتّفاق من الجميع ، وبذلك تصبح مستدعية للردع على فرض
شرح
( 1 ) ويمكن أن يدّعى سعة دائرة حجية الأمارات في نظر العقلاء لتشمل الأحكام التشريعية الإلهية فضلا عن الأحكام التشريعية العرفية ، فيدل سكوت المعصوم ( عليه السلام ) وعدم ردعه عنها على رضاه بهذه السيرة ، فيستكشف من هذا حجيتها حتى فيما يتعلق بالأغراض التشريعية الإلهية
( 2 ) ويرد على هذه الدعوى : أنه من غير المعقول أن يكون اعتبار العقلاء للحجية أوسع من أحكام الموالي العرفيين ، لأن هذا من قبيل تدخل مشرع في مجال تشريع مشرع آخر ، فالمفروض هو أن مجال تشريع العقلاء هو الأحكام العرفية ، ومجال تشريع المولى سبحانه هو الأحكام الشرعية ، فيكون بناء العقلاء على جعل الحجية للطرق الظنية بالنسبة للأحكام العرفية ، والأحكام الشرعية تدخلا في تشريعات المولى الحقيقي سبحانه ، وهذا غير معقول