وفي هذا المجال ينبغي التمييز بين نوعين من السيرة :
أحدهما : السيرة بلحاظ مرحلة الواقع ، ونقصد بذلك : السيرة على تصرّف معيّن باعتباره الموقف الذي ينبغي اتّخاذه واقعا في نظر العقلاء ، سواء كان مرتبطا بحكم تكليفي - كالسيرة على إناطة التصرّف في مال الغير بطيب نفسه ولو لم يأذن لفظيا - أو بحكم وضعي ، كالسيرة على التملّك بالحيازة في المنقولات « 1 » .
شرح
إليها ، ولهذا فإنه يشترط فيها - أي السيرة العقلائية - أن تكون معاصرة للمعصوم ، بحيث تكون بمرأى ومسمع من المعصوم ( عليه السلام ) دون أن يصدر منه ردع عنها ، ففي هذه الحالة فقط يكون سكوت المعصوم دالا عن رضاه بالسيرة ، وبذلك تكون هذه السيرة كاشفة عن الحكم الشرعي ، هذا حسب رأي مشهور الأصوليين * . وهذا بخلاف السيرة المتشرعية وهي السلوك العام للمؤمنين الناشئ من التزامهم بالأحكام الشرعية ، التي تكشف بنفسها عن السنّة ، وهي قول المعصوم ( عليه السلام ) وفعله وتقريره كشف المسبب عن السبب دون الحاجة إلى ضم سكوت المعصوم ( عليه السلام ) إليها
( 1 ) السيرة العقلائية على نوعين : النوع الأول : يتمثل في السيرة التي يتخذها العقلاء - عادة - بغض النظر عن العلم أو الجهل بالواقع ، ويستكشف من سكوت المعصوم ( عليه السلام ) عن هذه -
هامش
( * ) ولكن المحقق الأصفهاني ( رحمه الله ) يرى أن السيرة العقلائية ناشئة من العقل بما هو عقل ، وبذلك تكون هذه السيرة كاشف بنفسها عن رضا المعصوم ( عليه السلام ) دون الحاجة إلى ضم السكوت إليها ، لأن نشوء السيرة من عقل العقلاء يستلزم رضا المعصوم ( عليه السلام ) والشارع بها ، لأن الشارع من العقلاء ، بل رئيسهم ، فكل سيرة عقلائية تكشف بنفسها عن موافقة المعصوم ( عليه السلام ) كشف الكل عن الجزء ، ما لم يصدر ردع من الشارع عن السيرة ، ولهذا بمجرد إحراز الردع والنهي عن السيرة كاف في كشف السيرة بنفسها عن الموافقة . وأما على مبنى المشهور - ومنهم السيد الشهيد ( رحمه الله ) - فيشترط إحراز موافقة المعصوم ( عليه السلام ) ورضاه بالسيرة ، وذلك عن طريق إحراز سكوته عن السيرة وعدم صدور ردع منه عنها .