شبهة تنجّز الواقع المشكوك :
وأمّا الاعتراض الثالث فقد أجيب : بأنّ تصحيح العقاب على التكليف الواقعيّ الذي أخبر عنه الثقة بلحاظ حجّية خبره لا ينافي قاعدة قبح العقاب بلا بيان ؛ لأنّ المولى حينما يجعل خبر الثقة حجّة يعطيه صفة العلم والكاشفية اعتبارا على
شرح
ملاكات الإباحة ، وهذا لا يستلزم نقض الغرض ، لأن المولى ولأجل الحفاظ على الملاكات الترخيصية ضحى بالملاكات الإلزامية ، هذا بالنسبة للأصول العملية .
وأما ما يتعلق بالأمارة فنفرض أن اهتمام المولى بالحكم الظاهري ناشئ من كاشفية الأمارة عن الواقع ، أي أنه - وبتعبير السيد الشهيد ( رحمه الله ) - ناشئ من الاهتمام بقوة الاحتمال ، فالحكم الذي يكون مطابقا لمؤدى الأمارة يكون احتماله أقوى من الاحتمال الذي يكون على خلاف هذا المؤدى ، وحيث إننا فرضنا أن الأمارة غالبا ما تطابق الواقع ، فالشارع يجعل حكما ظاهريا بالحجية للأمارة ، فلو فرض وجود ( 50 ) حادثة ، وقامت الأمارة المطابقة للواقع على حكم ( 40 ) حادثة من هذه الحوادث ، وكانت الأمارة في العشرة ( 10 ) حوادث الأخرى مخالفة للواقع ، ففي هذه الحالة وبسبب اهتمام المولى بالأحكام الواقعية المطابقة لمؤدى الأمارة يجعل الشارع حكما ظاهريا بالحجية للأمارة ، وهذا الاهتمام من قبل المولى بالأحكام الواقعية نشأ من قوة الاحتمال ، أي نتيجة غلبة إصابة ومطابقة الأمارة للواقع ، فتكون الأمارة مطلقا حجة سواء كانت مطابقة للواقع أو مخالفة له ، فلو كانت هذه الأمارة المخالفة للواقع قائمة على نفي حكم إلزامي وكانت ( 10 ) من الموارد محكومة بحكم إلزامي ، فهل إن جعل الحجية للأمارة كان سببا في وقوع المكلف في المفسدة لو كانت هذه الحوادث العشرة ( 10 ) حراما في الواقع ؟ أو إنه سبب لتفويت المصلحة عليه لو كانت الحوادث العشرة ( 10 ) واجبا في الواقع ؟
الجواب على هذا اتضح مما تقدم ، حيث إن الأمارة لما كانت إصابتها ومطابقتها للواقع أكبر من خطئها في ذلك ، فإن جعلها حجة لا يستلزم نقض الغرض ولو استلزم إيقاع المكلف في المفسدة أو تفويت المصلحة عليه ، لأن المهم عقلائيا هو الحفاظ على الغرض الأهم ولو تطلب هذا التضحية بالأقل أهمية ، لأن اهتمام المولى ما دام منصبا على الأحكام الواقعية التي تصيبها الأمارة وتوافقها غالبا ، فلا مانع عقلا من