غير أنّ المولى في مقام التوجيه للمكلّف الذي اختلطت عليه المباحات المحرّمات بين أمرين : إمّا أن يرخّصه في ارتكاب ما يحتمل إباحته ، وإمّا أن يمنعه عن ارتكاب ما يحتمل حرمته . وواضح أنّ اهتمامه بالاجتناب عن المحرّمات الواقعية يدعوه إلى المنع عن ارتكاب كلّ ما يحتمل حرمته ، لا لأنّ كلّ ما يحتمل حرمته فهو مبغوض وذو مفسدة ، بل لضمان الاجتناب عن المحرّمات الواقعية الموجودة ضمنها ، فهو منع ظاهريّ ناشئ من مبغوضية المحرّمات الواقعية والحرص على ضمان اجتنابها .
شرح
للغير بالغصب ، وهذا حرام ، وإذا أراد أن يمتثل الحرمة فسيكون عاجزا عن إنقاذ الغريق ، فالمكلف في هذه الحالة يكون عاجزا عن الجمع بين التكليفين في مقام الامتثال ، وهنا يترجح الأهم ملاكا من الحكمين على الآخر ، فلو فرض إن وجوب إنقاذ الغريق أهم ملاكا من حرمة التصرف في الأرض المملوكة للغير ، فيكون هذا التكليف الأهم فعليا في ذمة المكلف ، أما التكليف الآخر فلا يكون فعليا بالرغم من بقاء ملاكه ، والشارع هو الذي يحدد أهمية الحكم بالنسبة إلى غيره من الأحكام بحسب الأدلة الشرعية .
3 - التزاحم الحفظي : وهو من اختراعات السيد الشهيد ( رحمه الله ) ، فعند ما تشتبه ملاكات الأحكام بعضها ببعض لدى المكلف ، وتتزاحم في مقام الحفظ من قبل المولى ، فيحافظ المولى على الملاك الأهم من هذه الملاكات المشتبهة ومن هنا سماه بالتزاحم الحفظي ، فمثلا لو كان عندنا ( 50 ) حالة مشتبهة بين الوجوب والإباحة الاقتضائية الناشئة من المصلحة ، فينشأ في هذه الحالة تزاحم في مقام الحفظ بين الملاكات ، فهل يحافظ المولى على ملاكات الوجوب في هذا المشتبهات ويجعل الوجوب للكل ؟ ويضحي بالملاكات الترخيصية أو يحافظ على ملاكات الإباحة ويجعل الإباحة للكل ويضحي بالملكات الإلزامية ، فلو كان اهتمام المولى منصبا على ملاكات الوجوب فإنه سيحكم بوجوب كل هذه المشتبهات ، أما إذا كان اهتمامه بملاكات الإباحة أكثر على أساس نشوئها عن المصلحة فيحكم حينئذ بإباحة كل المشتبهات ، وهكذا في المشتبهات بين الحرمة والإباحة . فالحكم في التزاحم الحفظي يتحدد بحسب اهتمام المولى بأحد الملاكات المشتبهة للأحكام الواقعية .