شرح
فمن الواضح أن تعلق الحكم بجميع أفراد الطبيعة ليس في مقام الجعل ؛ لأن جعل الحكم واعتباره بالنسبة إلى موضوعه من قبيل نسبة المحمول إلى موضوعه على نحو القضية الحقيقية التي ترجع إلى قضية شرطية شرطها فرض الموضوع - أي لحاظ وجود الموضوع في الخارج - وجزاؤها الحكم . وبناء على ذلك فإن : أكرم العالم ، يرجع إلى قولنا : إذا وجد العالم فأكرمه ، والحكم في هذه المرحلة لا شمولية له ؛ لأنه ثابت للموضوع المفروض الوجود ، والفرض واحد ، والحكم في مقام الجعل المعلق على فرض الموضوع واحد أيضا .
وبعد هذه المرحلة تأتي مرحلة الانطباق ، فالحكم وإن علق على فرض الموضوع ، إلّا إن هذا في الحقيقة تعليق لثبوت الحكم على ثبوت وانطباق الموضوع ؛ لأن الفرض يحدد وعاء ثبوت الحكم وانطباقه ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن انطباقات الموضوع تتعدد بحسب الأفراد .
ونتيجة لهاتين الناحيتين تتعدد فعلية الحكم عقلا تبعا لتعدد الموضوع ، وتعدد الحكم تعبير عن شمولية الحكم بحسب أفراد الموضوع *
هامش
( * ) بعد بيان كلام السيد الشهيد ( رحمه الله ) في التنبيهين الثالث والرابع ، من المناسب أن نذكر رأي السيد الشهيد ( رحمه الله ) في نكتة شمولية الإطلاق - بمعنى تعدد الحكم - وبدلية الإطلاق - بمعنى وحدة الحكم - فقد ظهر من كلام السيد الشهيد ( رحمه الله ) في التنبيه الرابع بأن سر شمولية الإطلاق في موضوع الحكم بمعنى المتعلق لمتعلق الحكم ، هو أن الموضوع يفرض وجوده في عالم الجعل ، وفرض الموضوع يعين وعاء ثبوت الحكم وفعليته ، فيكون انطباق الموضوع وتحققه شرطا لفعلية الحكم ، وتعدد الأفراد التي ينطبق عليها الموضوع يستلزم تعدد فعلية الحكم ، فما دام الموضوع مفروض الوجود فلا بد أن يكون الحكم شموليا ومتعددا بحسب انطباق الموضوع .
ويخرج من هذه القاعدة الموضوع المنون ، كما في : أكرم عالما ؛ لأن التنوين في الموضوع يدل على الوحدة ، فطبيعة العالم - حينئذ - تكون مقيدة بالوجود الواحد ، ولذلك فهي تنطبق على كل فرد للطبيعة بنحو البدلية والترديد ، فلو فرض انطباق الطبيعة على زيد فإنه يجب إكرامه ، دون أن يجب إكرام بقية الأفراد التي تنطبق عليها الطبيعة ، وإن فرض انطباق الطبيعة على بكر ، فإنه يجب إكرام بكر دون بقية الأفراد ، وهكذا حتى يشمل جميع الأفراد