ولكن مع هذا نلاحظ أنّ هناك فارقا يظلّ ثابتا بين الأمر والنهي ، أو بين الوجوب والتحريم ، وهو أنّ الوجوب الواحد المتعلّق بالطبيعة لا يستدعي إلّا الإتيان بفرد من أفرادها ، وأمّا التحريم الواحد المتعلّق بها فهو يستدعي اجتناب كلّ افرادها ولا يكفي أن يترك بعض الأفراد « 1 » .
وهذا الفارق ليس مردّه إلى الاختلاف في دلالة اللفظ أو الإطلاق ، بل إلى أمر عقلي ، وهو أنّ الطبيعة توجد بوجود فرد واحد ، ولكنّها لا تنعدم إلّا بانعدام جميع أفرادها ، وحيث إن النهي عن الطبيعة يستدعي انعدامها فلا بد من ترك سائر أفرادها ، وحيث إنّ الأمر بها يستدعي إيجادها فيكفي إيجاد فرد من أفرادها « 2 » .
شرح
( 1 ) فإذا فرض أن متعلق النهي لا يمكن أن يتعدد بحيث تنحل الحرمة إلى تحريمات متعددة بحسب تعدد المتعلق ، كما لو قال المولى : لا تحدث ، حيث إن التعدد لا يمكن تصوره في هذه الحالة ، فالنهي في هذا المورد يدل على حرمة واحدة متعلقة بصرف وجود الطبيعة ، ومع ذلك فإن هذا التحريم الواحد يختلف عن الوجوب الواحد المتعلق بصرف وجود الطبيعة في مثل : صلّ ، بأن الامتثال في متعلق النهي شمولي ، وأما الامتثال في متعلق الأمر فهو بدلي . فلا يمكن امتثال ( لا تحدث ) إلّا بترك جميع أفراد الحدث ، وأما امتثال ( صلّ ) فيتحقق بإتيان فرد واحد .
والسؤال الذي يرد في المقام أنه ما هي نكتة الفرق بين متعلق الأمر والنهي في مقام الامتثال مع فرض وحدة الحكم ؟
( 2 ) أجاب مشهور الأصوليين عن ذلك : بأن الفرق بينهما مبني على أمر عقلي ، ولا يتعلق بالدلالة اللفظية لصيغة الأمر أو النهي ، فما دام المطلوب في النهي هو ترك صرف الوجود للطبيعة ، وهذا لا يتحقق إلّا بترك جميع أفرادها ؛ لأن أي فرد من الطبيعة يأتي به المكلف ينطبق عليه صرف الوجود للطبيعة ، والنهي يدعو إلى تركه ، وترك هذا الفرد يستلزم ترك الفرد الثاني والثالث والرابع ، وهكذا بقية أفراده فامتثال النهي ترك صرف الطبيعة يستدعي ترك جميع أفرادها .
وأما في متعلق الأمر فالطلب يتعلق بصرف وجود الطبيعة ، وهو يتحقق بإيجاد فرد واحد لها . ولذلك فالامتثال بالنسبة لمتعلق النهي يتطلب ترك جميع أفراد الطبيعة ، أما الامتثال بالنسبة لمتعلق الأمر فيستدعي إيجاد فرد واحد للطبيعة ، فالنهي