نجد أنّ الحكم في الخطاب الأوّل يشتمل على تحريمات متعدّدة بعدد أفراد الكذب ، وكلّ كذب حرام بحرمة تخصّه ، ولو كذب المكلّف كذبتين يعصي حكمين ويستحقّ عقابين .
وأمّا الحكم في الخطاب الثاني فلا يشتمل إلّا على وجوب واحد ، فلو ترك المكلّف الصلاة لكان ذلك عصيانا واحدا ويستحقّ بسببه عقابا واحدا . وهذا من نتائج الشمولية في إطلاق متعلّق النهي التي تقتضي تعدّد الحكم ، والبدليّة في إطلاق متعلّق الأمر الذي يقتضي وحدة الحكم « 1 » .
ولكن قد يتجاوز هذا ويفترض النهي في حالة لا يعبّر إلّا عن تحريم واحد ، كما في النهي المتعلّق بماهيّة لا تقبل التكرار ، من قبيل ( لا تحدث ) بناء على أنّ الحدث لا يتعدّد ، ففي هذه الحالة يكون التحريم واحدا ، كما أنّ الوجوب في ( صلّ ) واحد .
شرح
( 1 ) فمتعلق النهي في مثل : لا تكذب ، يستفاد منه تعدد الحكم بالحرمة بحسب تعدد أفراد طبيعة الكذب ، فيحرم كل فرد من أفراد الكذب ، بحرمة تخصه ، ولذا فالمكلف إذا أتى بكذبة فإنه يكون عاصيا ، ويستحق العقاب على ذلك بقطع النظر عن الفرد الآخر للكذب ، وهكذا يكون عاصيا لو أتى بالفرد الثاني للكذب ويستحق عقابا آخر عليه ، وأما متعلق الأمر في مثل : صلّ ، فيستفاد منه حكما واحدا يتعلق بصرف وجود الطبيعة ، فلو ترك المكلف صرف الوجود للطبيعة فإنه يعصي عصيانا واحدا ، ويستحق عقابا واحدا على ذلك .
وهذا الفرق بين متعلق النهي ومتعلق الأمر من نتائج كون الإطلاق في متعلق النهي شموليا ، فيتعدد الحكم تبعا لتعدد أفراد طبيعة المنهي عنه مما يقتضي تعدد العصيان ، وكون الإطلاق في متعلق الأمر بدليا فيكون الحكم واحدا ، وهذا يقتضي وحدة العصيان ، ولهذا فإن عصيان الأمر يؤدي إلى سقوط الأمر ، وأما النهي فإنه لا يسقط بالعصيان ، بل يبقى ثابتا في ذمة المكلف ، فالحرمة تعددت بتعدد أفراد متعلقها ، ولذا لا يسقط النهي بعصيانها في فرد ، والوجوب واحد لا يتعدد بتعدد أفراد متعلقه ، ويسقط بالعصيان . وهذا الفرق ناشئ من الإطلاق الشمولي في متعلق النهي ، والإطلاق البدلي في متعلق الأمر