ولا يصلح هذا الجواب لحلّ المشكلة ، إذ توجد حالات يمكن فيها الإطلاق الشموليّ والبدلي معا ، ومع هذا يعيّن الشموليّ بقرينة الحكمة ، كما في كلمة ( عالم ) في قولنا : ( أكرم العالم ) ، فلا بدّ إذن من أساس لتعيين الشمولية أو البدلية غير مجرّد كون بديله مستحيلا « 1 » .
شرح
الإطلاق في طبيعة الصلاة شموليا يستلزم المحال ، ولذلك فلا بد أن يكون الإطلاق في متعلق الأمر بدليا أي أن صرف وجود طبيعة الصلاة هو متعلق الوجوب الواقعي ، ويتحقق الامتثال بالوجود الأول للطبيعة الذي يختاره المكلف ، فالمكلف قد يختار إيقاع الصلاة في المسجد أو في البيت ، وقد يختار إيقاعها في أول الوقت أو في وسطه . فخصوصية استحالة الشمولية في متعلق الحكم تنضم إلى مقدمات الحكمة لإثبات أن الوجوب الواقعي ( المراد الجدي ) متعلق بصرف الوجود للطبيعة .
وهكذا الأمر بالنسبة للنهي ، فمقدمات الحكمة لا تقتضي أكثر من أن متعلق النهي ( الحرمة الواقعية ) هو طبيعة الكذب بلا قيد ، أي دون أن يكون مقيدا بالكذب الضار مثلا ، وأما أن هذا الحكم شائع وسار في كل فرد من أفراد الطبيعة بحيث يكون الإطلاق شموليا ، أو أنه يتحقق بترك فرد واحد من الكذب بحيث يكون الإطلاق بدليا ، فلا يمكن استفادته من نفس قرينة الحكمة ؛ بل ينضم إليها حكم العقل ، حيث لو كان الإطلاق بدليا لاستلزم اللغوية ؛ لأنه يعني أن المطلوب هو ترك صرف وجود الكذب الذي يتحقق بترك فرد واحد من أفراده ، وترك فرد واحد من الكذب قهري الوقوع ؛ لأن من غير المعقول أن المكلف يكذب في كل إخباراته في طول حياته ، فلا بد أن يترك الكذب في بعض إخباراته ، وما دام ترك فرد من الكذب قهري الوقوع ، فيكون طلب المولى له لغوا محضا ، وصدور اللغو من المولى مستحيل . وإذا كان النهي عن الكذب على نحو البدلية يستلزم لغوية النهي ، فهذا قرينة تنضم إلى مقدمات الحكم لإثبات أن الإطلاق في متعلق النهي شمولي
( 1 ) يورد السيد الشهيد ( رحمه الله ) على الجواب المتقدم إشكالا حاصله :
أن ظاهر كلام السيد الخوئي ( رحمه الله ) يفيد قاعدة عامة ، وهي : أن عدم معقولية الإطلاق الشمولي ، يقتضي ضرورة أن يكون الإطلاق بدليا ، كما أن عدم معقولية