أحدها : أنّ الأمر يدلّ على ذات الإرادة ، وهي تارة شديدة كما في الواجبات ، وأخرى ضعيفة كما في المستحبّات ، وحيث إنّ شدّة الشيء من سنخه - بخلاف ضعفه - فتتعيّن بالإطلاق الإرادة الشديدة ؛ لأنّها بحدّها لا تزيد على الإرادة بشيء ، فلا يحتاج حدّها إلى بيان زائد على بيان المحدود ، بينما تزيد الإرادة الضعيفة بحدّها عن حقيقة الإرادة فلو كانت هي المعبّر عنها بالأمر لكان اللازم نصب القرينة على حدّها الزائد ؛ لأنّ الأمر لا يدلّ إلّا على ذات الإرادة « 1 » .
شرح
( 1 ) وهذا التقريب للمحقق العراقي ( رحمه الله ) تبعا لأستاذه الآخوند ( رحمه الله ) ، وبيان هذا التقريب يعتمد على ثلاث نقاط :
الأولى : إن الفرق بين الوجوب والاستحباب على رأي المحقق العراقي ( رحمه الله ) هو في شدة وضعف إرادة المولى لفعل المكلف ، فالوجوب هو الإرادة الشديدة لفعل المكلف في نفس المولى ، والاستحباب هو الإرادة الضعيفة لفعل المكلف ، وليس المقصود هنا هو مفهوم الإرادة ، بل المقصود هو واقع الإرادة بالحمل الشائع ، أما كيف يدل الأمر على الإرادة فلا بد من التسليم بأن مادة الأمر - وكذلك هيئته - تدل بدلالة تصديقية على الإرادة .
الثانية : وإذا كان الفرق بين الوجوب والاستحباب هو في شدة إرادة المولى وضعفها بالنسبة لفعل المكلف ، فيكون الفرق بينهما من باب التشكيك الخاصي ، الذي يقصد به : أن ما به الاشتراك هو عين ما به الامتياز ، بمعنى أن تكون جهة الاشتراك بين الشيئين هي نفسها جهة الاختلاف بينهما ، فمثلا : البياض الشديد في الثلج ، والبياض الضعيف في العاج ، أمران يشتر كان في شيء واحد هو البياض ، ونفس هذا البياض الذي يشترك به بياض الثلج وبياض العاج يكون منشأ للاختلاف بينهما ، وسببا لامتياز أحدهما عن . الآخر ، ذلك أن بياض الثلج يتميز بخصوصية شدة البياض ، وأما بياض العاج فهو وإن كان بياضا إلّا أنه فاقد لخصوصية شدة البياض ، وشدة البياض بياض ، وليس لونا آخر فهو ليس أصفر ولا أخضر . . . ، وبهذا أصبحت شدة البياض هي سبب الامتياز ، حيث إن الواجد لشدة البياض هو بياض الثلج والفاقد لها هو بياض العاج .
ونفس الكلام يأتي في الوجوب والاستحباب ، فما به الاشتراك بينهما هو