وقد أجيب على ذلك : بأنّ اختلاف حال الحدّين أمر عقليّ بالغ الدقة ، وليس عرفيا ، فلا يكون مؤثّرا في إثبات إطلاق عرفيّ يعين أحد الحدّين « 1 » .
شرح
الإرادة بالحمل الشائع ، وما به امتياز أحدهما عن الآخر هو شدة هذه الإرادة ، فالوجوب واجد لهذه الشدة والاستحباب فاقد لها ، وبهذا يكون ما به الاشتراك هو عين ما به الامتياز . والعقل عندما ينظر إلى الوجوب يحلله إلى إرادة وشدة إرادة ، أي : إن الوجوب هو نفس الإرادة ، ذلك أن شدة الإرادة هي نفس الإرادة ، وليست شيئا مختلفا عنها . وعندما ينظر إلى الاستحباب يحلله إلى إرادة وفقدان الشدة ، فيكون مركبا من جزءين ، حيث إن فقدان الشدة يغاير الإرادة .
وهذا التحليل للوجوب والاستحباب بحسب عالم العقل ، وإلا ففي الواقع فإن كلا من الوجوب والاستحباب إرادة ، والمقصود هنا هو واقع الإرادة بالحمل الشائع ، وليس مفهومها ، لأن مفهوم الإرادة لا يتصف بالشدة والضعف . نعم ، مفهوم الإرادة الشديدة يغاير مفهوم الإرادة الضعيفة ، ولكن الفرق بينهما ليس من باب التشكيك الخاصي ، لأن المفاهيم يغاير ويباين بعضها بعضا في الذهن .
الثالثة : المتكلم إذا كان بصدد البيان وذكر الأمر دون أن يذكر قيدا يدل على الاستحباب ، فالظاهر من إطلاق الأمر هو الوجوب ، لأن الاستحباب - على أساس المقدمة الثانية - هو الإرادة مع فقدان الشدة ، ولما كان فقدان الشدة يغاير الإرادة ، فيكون محتاجا إلى بيان ( قيد ) زائد يدل عليه ، وما دام لم يذكر هذا القيد فهو لا يريد هذا المعنى . في حين أن الوجوب هو الإرادة الخالصة ، وليست شدة الإرادة أمرا زائدا عن نفس الإرادة ، فلا يحتاج إلى بيان زائد للدلالة عليه ، أي : أن الأمر يكون كافيا لبيان الوجوب ، لأن الأمر ( مادة وهيئة ) ظاهر بالظهور التصديقي في الإرادة ، فيكون الأمر ظاهرا في الوجوب ، لأن الوجوب - على أساس المقدمة الأولى - هو الإرادة الشديدة التي هي ليست خصوصية زائدة على نفس الإرادة
( 1 ) حاصل إشكال السيد الشهيد ( رحمه الله ) على هذا التقريب : أن مقدمات الحكمة تحدد الظهور العرفي للكلام ، فهذه المقدمات تثبت أن مراد المتكلم هو الطبيعة بدون قيد - أي : الإطلاق - عندما يكون المراد مرددا بين أمرين يرى العرف أن هذا البيان كاف للدلالة على أحدهما ، وغير كاف للدلالة على الآخر ، فمثلا : لو كان