القول الثاني : ما ذهب إليه المحقّق النائيني ( رحمه الله ) من : أنّ ذلك بحكم العقل ، بمعنى : أنّ الوجوب ليس مدلولا للدليل اللفظي ، وإنّما مدلوله الطلب ، وكلّ طلب لا يقترن بالترخيص في المخالفة يحكم العقل بلزوم امتثاله ، وبهذا اللحاظ يتّصف بالوجوب . بينما إذا اقترن بالترخيص المذكور لم يلزم العقل بموافقته ، وبهذا اللحاظ يتّصف بالاستحباب « 1 » .
ويرد عليه :
أوّلا : أنّ موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال لا يكفي فيه مجرّد صدور الطلب
شرح
الحقيقة هو التبادر ( الحاقّي ) الناشئ من نفس اللفظ ، لا التبادر الذي قد ينشأ من قرائن معينة قد تحف باللفظ وتجعله دالا على ذلك المعنى المعين ، وحكم العقل وقرينة الحكمة قد تمثلان قرائن عقلية أو مقامية تؤثر في تبادر الوجوب من الأمر ، فلا يكون ناشئا من نفس اللفظ ، ولهذا يجب إثبات بطلان الآراء الأخرى في تفسير دلالة الأمر على الوجوب . ورأي السيد الشهيد ( رحمه الله ) في تفسير ذلك مردد بين القول الأول وبين التقريب الثالث من القول الثالث
( 1 ) حيث يرى ( رحمه الله ) وجملة من تلامذته كالشيخ المظفر ( رحمه الله ) ، والسيد الخوئي ( رحمه الله ) : أن دلالة الأمر على الوجوب ناشئة من حكم العقل ، ذلك أن الأمر يدل على الطلب ، فيحكم العقل بلزوم الطاعة والامتثال بالنسبة لهذا الطلب ، عندما لا يصدر ترخيص من المولى في المخالفة ، وبلحاظ حكم العقل ينتزع الوجوب والحتمية من الطلب ، فموضوع حكم العقل باللزوم يكون في هذه الحالة مركبا من أمرين : أ ) الطلب : الذي هو مدلول الأمر . ب ) عدم ورود بيان من المولى على الترخيص بمخالفة هذا الطلب . وأما إذا ورد بيان على الترخيص في مخالفة الطلب فإن العقل لا يحكم بلزوم الامتثال ، وينتزع الاستحباب من هذا الطلب .
وبهذا يتضح أن الوجوب بمعنى حتمية الطلب بحيث لا يرضى المولى بمخالفته مترتب على حكم العقل بلزوم الطاعة والامتثال ، وهذا الوجوب ينتزع من الطلب بعد حكم العقل ، وهذا الطلب الحتمي لا يختلف سواء فسرنا الطلب بالسعي نحو المقصود كما يرى الشهيد الصدر ( رحمه الله ) ، أو فسرناه بالإرادة كما يرى الآخوند ( رحمه الله ) ، أما دلالة مادة الأمر على الطلب فواضح . أما الهيئة فهي تدل على الطلب بالالتزام بالتبع ، كما شرحناه سابقا